ardanlendeelitkufaruessvtr

روح «فاوست» تهيمن على مسرحية «مركب بلا صياد»

روح «فاوست» تهيمن على مسرحية «مركب بلا صياد»
الغواية هنا مزدوجة. حكاية شعبية ألمانية تحكي عن الكيميائي يوهان جورج فاوست. عالم بارع يتوق لمعرفة لا تنتهي غير أنّ أدواته المعملية لا تسعفه. وفي قمة يأسه يتجلى له الشيطان أو «ميفستوفوليس»؛ ليعقد معه صفقة العمر: تبيعني روحك وسأمنحك كل ما تتمنى من معارف وقوى خارقة للطبيعة. ليس هذا العالِم فقط هو من يستسلم لهذا العرض المغوي، بل الخيال الإنساني أيضاً هو الذي رفع الراية البيضاء مستسلماً لغواية تلك الأسطورة لتصبح «الصفقة مع إبليس» تيمة ذائعة الصيت في الأدب العالمي. استلهمها غوته وأوسكار وايلد وميخائيل بولغانوف، فضلاً عن التجليات العربية لها؛ مثلاً، لدى علي أحمد باكثير في «فاوست الجديد»، وسعدالله ونوس في «ملحمة السراب» ويوسف وهبي في فيلم «سفير جهنم» ومحمود المليجي في «موعد مع إبليس». أمّا في العرض المسرحي «مركب بلا صياد» للكاتب الإسباني أليخاندرو كاسونا، والذي يقدمه مسرح «الهناجر» في القاهرة في صيغته العربية، فإنّ ملامح الصفقة تتغيّر من دون المساس بجوهرها. «ريكاردو خوردان»؛ رجل أعمال واسع الثراء لكنه يتعرض لمؤامرة مِن منافسيه للقضاء عليه. تنهار أسهم شركاته في البورصة وترفض البنوك إقراضه، فيما يتظاهر العمّال في مصانعه ويخيم شبح الإفلاس على إمبراطوريته المتداعية. يظهر الشيطان له ليعرض عليه الصفقة: اقتل من أجلي نفساً بريئة فتصبح روحك ملكاً لي. يوافق خوردان شريطة أن يكون القتل من دون قطرة دم. يقترح الشيطان قتل شخصية صياد بسيط يعيش في قارة أخرى يدعى «بيتر». يطمئن خوردان إلى أنه لا يحتاج إلا إلى استحضار نية القتل فتقع الجريمة في التو والحال. يستيقظ ضمير ريكاردو حين تصك مسامعه على البعد صرخة امرأة (ستيلا) حزناً على زوجها بيتر، فيقرر السفر إليها ليكفّر عن ذنبه لمساعدتها.
استطاع مخرج العمل عمرو قابيل (يجسد أيضاً شخصية خوردان) الحفاظ على إيقاع العمل خالياً من الرتابة عبر استهلاله بمشهد ساخن يتمثل في المواجهة بين «ستيلا» وأختها «فريدا» زوجة «كرستيان»، الصياد البسيط هو الآخر، والذي نستشعر منه بأنه هو مَن تورط في مقتل بيتر عبر دفعه من فوق ربوة عالية أثناء عاصفة هبّت على القرية بسبب سكره الدائم وإحساسه المقيم بالذنب. يدخل خوردان بيت ستيلا المقيمة بمفردها مع جدتها كسائح باحث عن غرفة وحين تسأله: ما هي حكايتك، تعود الأحداث إلى الوراء؛ لنعرف قصة الصفقة التي أبرمها مع إبليس. هكذا؛ مِن المشاهد الأولى تبدأ الأحداث مشوقة. وحده صِدق الممثلة القديرة منحة زيتون التي تجسد شخصية الجدة هو ما جعل الجمهور يتعاطف معها هي وحفيدتها ستيلا. جدة لا تتعالى على حياة الوحدة كما تفعل حفيدتها، بل تعترف بقسوة العيش في منزل يخلو من الرجل الذي تفتقد بشدة ضحكاته وضجيجه وحتى رائحة عرقه. يبلغ صدقها منتهاه حين تواجه حفيدتها بالحقيقة المرة: «مهما تظاهرنا نحن النساء بأننا لا نبالي ونستطيع العيش من دون رجل نستند إليه، فنحن نكذب على أنفسنا»!

قيم الموضوع
(0 أصوات)