ardanlendeelitkufaruessvtr

رحيل رائدة المطبخ العراقي والعربي الفنانة نزيهة أديب

 
صفوة فاهم كامل
 
بصمت وهدوء غادرت دنيانا مساء يوم الأربعاء 13/3/2019، وانتقلت بروحها الزكية من دار الفناء في قبرص التركية إلى دار البقاء في جنّات النعيم، رائدة المطبخ العراقي والعربي السيدة نزيهة أديب، صاحبة أشهر كتاب للطبخ في الوطن العربي (دليل الطبخ والتغذية).
الكتاب الذي تربّع على عرش كتب الطبخ العربية والأكثر مبيعا وانتشاراً في عَرض البلاد وغربهاً، وبذلك خسر العراق علماً آخر من أعلامه النجباء ورمزاً من رموز الذوق الرفيع.
كتابها ودليلها يُعد تحفة فنّية وموسوعة غذائية متكاملة ولازمة مهمة في مكتبة كل بيت عراقي وعربي، لاحتوائه على وصفات عديدة لأطعمة شرقية وغربية، وبأسلوب عملي مبسّط غير معقد، تنهل منه بسهولة جميع ربات البيوت، وهو بذلك قد سدَّ فراغاً كبيراً وحاجة ملحّة في هذا المجال وقتئذ وإلى الآن. وكان في حينها يقدّم الكتاب كهدية للعروس في يوم زواجها مع جهاز العرس أو ما يسمى بـ (الملافيف)، ويعتبر أيضاً أفضل حُلوان يقدّم لصديق عزيز في مناسبة ما.
 
ولدت الراحلة نزيهة أديب، في مدينة السليمانية عام 1928، وتخرجت من كلية الحقوق في بغداد عام 1946، وتبوئت منصب مديرة معهد الفنون المنزلية، وعرفت بنجاحها الباهر وحزمها في إدارة هذا المعهد.
متزوجة من الراحل مهدي كامل مهدي، الذ شغل منصب مدير عام البطاريات، ولديها ولدان كامل وعماد، وكانت حتى وفاتها تعيش مغتربة في جمهورية شمال قبرص التركية.
توفي ولدها كامل عام 1982 أثر أزمة قلبية، وتوفي عماد أثر حادث سيارة مؤسف في شهر كانون الأول الماضي 2018، دون أن تعلم والدته وحتى وفاتها.
 
عمِلت السيدة نزيهة أديب، وصديقتها وشريكتها في التأليف والإعداد السيدة فردوس المختار، (أطال الله في عمرها) في بداية شبابهما بجهد حثيث ومثابر استمر سنتان كاملتان لكتابة محتويات وتفاصيل هذا الكتاب حتى أنجزتاه في عام 1966، بحجم كبير وصفحات كثيرة. ولمحدودية إمكانياتهما المادية، فكان من الصعب طبعه في المطابع الأهلية في ذلك الوقت، فاستعانا بأخ السيدة فردوس، الموظف في مطبعة السكك الحديدية الحكومية، واستحصالا موافقة لطبعه في هذه المطبعة المتوقفة عن العمل منذ مدة، وتم طبع الكتاب بأجور زهيدة لا تتعدى كلفة الورق والحبر، وقام حينها الرسام والخطاط ناظم رمزي، بتصميم وعمل الغلاف فظهر الكتاب بحلّة مرضية ومبهرة نسبياً. وكان عدد النسخ المطبوعة في طبعته الأولى ألف نسخة في بادئ الأمر، كتجربة أولية، وتلقي ردة فعل الناس عليه، وبدئتا ببيعه بشكل محدود بين الأهل والأقرباء والأصدقاء ثمَّ أصدقاء الأصدقاء وهكذا دواليك.
لم يكن في خلد السيدة أديبة، أن هذه الكمية الكبيرة المطبوعة من الكتاب سوف تنفذ تماماً خلال فترة زمنية قصيرة أمدها 45 يوماً، فكانت مفاجئة حقيقية لها وغبطة لا توصف، وبدأت التلفونات والطلبات تنهال عليها، عندها شعرت أن الحاجة باتت ملحّة لطبع الكتاب طبعة ثانية، مما شجّعها أن تذهب وصديقتها إلى شارع المتنبي -شارع المطابع والكتب-وتتفق مع مطبعة الإرشاد على طبعة جديدة وبواقع خمسة ألاف نسخة هذه المرة. واخذ الكتاب يشتهر شيئاً فشيئاً وصار يُطلب بقوة من كل مكتبات بغداد والمحافظات، ونفذت أيضاً، بعدها توالت طبعات أخرى منقّحة ومزيدة حتى وصلت إلى ست عشرة طبعة حتى الآن.
فلا غرابة على المرأة العراقية في ذلك الإنجاز الرائع وإنجازات أخرى ومهما كانت قساوة الظروف وصعوبة الحياة، فالإرادة والقدرة حاضرة والعقول مؤمنة وناضجة.
تاريخ المطبخ العراقي أو مطبخ ما بين النهرين، تاريخ طويل وعريق يعود إلى حقبة السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين، فبعضاً من الألواح والرقم الطينية التي عُثرَ عليها في العراق تُظهر وصفات عديدة لتحضير الطعام والذي كان يُعدّ ويهيئ في المعابد أثناء الأعياد الدينية، وهي تقريباً نفس أنواع الطعام المعروفة حالياً مع اختلافات بسيطة فرضتها طبيعة التطور الزمني. والمطبخ العراقي يمتاز برائحته الزكية ونكهته الخاصة ولذته النفيسة بين العراقيين وحتى سواهم من العرب والأجانب. وللمرأة العراقية يديها الطولى في هذا المضمار بلا شك. 
 
في شهر أيلول من العام الماضي 2018، وفي ليلة موسيقية هادئة من ليالي عمان المقمرة، التقيت بسيدة في منتصف العمر، محترمة وقورة، بهيّة الطلعة، أنيقة الملبس، أردنية اللكنة والانتماء، عراقية الدم والوفاء، عرّفت عن حالها بأنها الفنانة التشكيلية شذى البطاينة، وأبنة أخت الراحلة نزيه أديب! تشرّفت بهذه المعرفة وصدفة اللقاء. جلستُ على طاولتها ودار حديث بيننا عن خالتها الرائدة الخالدة، وتاريخها الطويل وحالتها الصحية بعد أن تعدّت العقد التاسع ونيّف من عمرها المديد، وسألتها عن الطبعة الأخيرة من كتابها الموسوعة، ودعوتها لإشراكه في معرض الكتاب العراقي الثالث الذي سيقام بعد شهرين في قاعة الأورفلي بعمان، فأبدت سرورها وترحيبها بذلك. وبالفعل فقد عُرض الكتاب بإصداره الجديدة، الممّيز والأنيق والملون، وتصدّر مجموعة الكتب المعروضة وحاز على إعجاب الجميع ونفذت كل النسخ المعروضة للبيع، على الرغم من سعره الباهظ نسبياً.
طلبتُ من السيدة البطاينة، أيضاً في هذا اللقاء العابر أن تتفضل بمفاتحة السيدة أديب، لتزوّدني بسيرة حياتها وتاريخها، لغرض إدراجه في صفحات مشروع كتابي القادم (نساء من تاريخ العراق الحديث). في ختام هذا التلاقي وعدتني السيدة شذى، أن تفعل حسناً في الأسابيع القادمة من خلال زيارتها في المستقبل القريب لخالتها المقيمة في قبرص التركية، وأثنت على مشروعي هذا وتمنت لي النجاح في مسعاي. وودعتها على أمل الانتظار ... ثم اللقاء.
لكن حادث وفاة أبن السيدة نزيهة، ألقى بظلالها الداكنة على الموقف وأشغلها وحال دون تمكنها من تحقيق ذلك، وفي زيارتها الثانية فاتحت خالتها بذلك ووعدتها في وقت لاحق، إلا أن المنيّة كانت أسبق من أمنيتي، ورحلت ولم أحقق هدفي. 
منذ عام 1966 وحتى اليوم، مرًت أكثر من خمسة عقود على صدور أول كتاب من (دليل الطبخ والتغذية) والآن وبعد رحيل هذه الفنانة، فالسؤال الافتراضي المطروح والذي بالتأكيد لا جواب له، هو: تُرى كم امرأة تعلّمن الطبخ وتهذّبنَ فنونه وأسراره من خلال صفحات هذا الكتاب ...؟ وكم رجل أكل وتغذّى، وشبع وتروّى من الأيادي التي تعلّمت ذلك الطبخ ...؟
رحم الله الفنانة القديرة نزيهة أديب، وأسكنها فسيحة جناته وحشرها مع ولديها وزوجها في الفردوس، وألهم أحفادها ومحبيها ومن تعلّم وتتلمذ من علْمها، الصبر والسلوان ... أنه سميع مجيب.
 
قيم الموضوع
(0 أصوات)