ardanlendeelitkufaruessvtr

سنين عمان والأمل بفجر جديد

بقلم شكر حاجم الصالحي نيسان/أبريل 17, 2019 36

سنين عمان والأمل بفجر جديد                                         
 شكر حاجم الصالحي
ها هي السنوات تمضي وكأن الأمل لنا بعودة بهاء تلك الأيام الطيبة صار بعيداً، تلك التي مرت كنسمةٍ باردة في لهيب صحراء، وهذا طائر التمّ يراودنا عما تبقى من أحلام مؤجلة ومجهضة ليحلّق بنا الى ما لا نتمناه من غياب، وما كسبنا من الدنيا سوى محبة الناس وفعل الخير، طاردتنا الأوطان ولم نكن نرغب بمفارقة مساءاتها الجميلة وذكرياتها العاطرة، فالتبست علينا أمورها، ونبزت ألسنة السوء بما لم يكن من خصالنا، وتلك هي محنة الزمن الردئ حيث انحسار القيم الفاضلة وشيوع النميمة والعقوق والجحود. وما خارت قوانا ولا هانت نفوسنا نحن، الذين وردنا من سلسبيل الفرات وتفيأنا ظلال نخيل بساتين الحلة البابلية، وها نحن كما كنا ابناءً بررة لوطن جدير بالمهابة والعظمة، وسنظل ما حيينا في موكب طموحاته النبيلة، ومن حسن الحظ ان الأمل مازال يورق في نفوسنا الظامئة، وكان لنا أصحاب أجلاء وأخوة نبلاء أفاضوا على محبيهم بكرمهم الذي لم ينقطع حتى في أقسى الظروف، لا بل غمروا مبدعي وطنهم بما يستحقون من رعاية واهتمام وكان لهم العون في الملمات والشدائد، وفي الصعاب يتجلى الجوهر الأنساني لمن يستطع معاونة المحتاجين من أبناء أرومته، وكان هو لا يكفّ عن سؤالي كلما التقيته عن أحوال فلان الشاعر وعلاّن الفنان، وحين يطلع على أوضاعهم يحملني مبالــغ قيّمـة لأكثر من مستحق، ولست في معرض استعراض موافقة الإنسانية النبيلة، فهو ليست به حاجة إلى إطراء مني، ولكن ما قلت هذا إلا لكي أصحح ما يتناقله عنه بعض ضعاف النفوس من جوقة الادعياء والكذابين الذين كانوا ــ ويشهد الله ــ يتمنون منه كلمة تحية عابرة، ويا ما تدافعوا على باب مكتبه تملقاً واستجداءً، وقالوا عنه، في حينه، من النعوت والعبارات التي لا يحتاج إلى عشرها، ولم يرد أحداً جاء مناشدته في طلب مساعدة ما، برغم أن بعضهم على غير انسجام معه في الرأي والتفكير، لكنه إنسان من لحم ودم، وصاحب ضمير نابض بالحب والكرم اليعربي المعروف.
مرة، سألني، وأنا الذي كنت أزوره في مكتبه، بين آونة وأخرى، كلما جئت إلى بغداد، عن أحد فناني الحلة، فنقلت له واقع حاله وكثرة عياله وشح موارد أمواله.. تنهد وقال: علينا أن نحفظ ماء وجه الرجل، وبعد أقل من عشرين يوماً هاتفني مدير مكتبه زافاً إليّ بشرى تخصيص راتب شهري لهذا الخطاط المبدع، ومرات كان يفيض عليَّ بكرمه وجمال نصحه ويسألني إن كنت محتاجاً فأشكره على حسن اهتمامه مكتفياً بما أجده من إصدارات حديثة في مكتبته، وذات صباح اتصل بي هاتفياً أبو داليا، مدير مكتبه، وقال لي إن أبا مصعب (حميد سعيد) يود التحدث معك ــ إذ كنت، حينها، رئيساً لفرع اتحاد أدباء محافظة بابل.
قلت له: تفضل أستاذي الكريم.
قال: عليك أن ترشح عشرة أسماء من شعراء الحلة وترسل ذلك بما تستطيع من عجالة.
قلت: وما الأمر أستاذي؟
قال: إن شاء الله خيراً!!
واخترت الأسماء المطلوبة بمشاورة الناقد ناجح المعموري لكني أضفت اسمين على الأسماء المقترحة.
وفي صباح اليوم التالي، اتصل بي مباشرة وقال بحزم: المطلوب عشرة اسماء فِلم أرسلت أكثر من المطلوب.
قلت: لعلك تستطيع إضافتها.
لكنه اعتذر بعبارات مقنعة جعلتني أتوقف عن مناشدته المساعدة وختمت مكالمتي بوضع أحد الاسماء المضافة بدلاً من اسمي وفي يوم مفعم بالأمل زفّ مدير مكتبه بشرى تخصيص راتب شهري لمن رشحتهم من أدباء محافظة بابل.. هذه التداعيات والذكريات الجميلة كلها نهضت في ذاكرتي وأنا أقرأ [سنين عمّان]، الذي أهداه إليّ مؤلفه الناقد سليم النجار، وعبر ثلثمائة صفحة يرافق النجار شاعرنا الإنسان في حلّه وترحاله، منذ أن وطأت روحه المكابرة أرض عمّان سكناً وملاذاً من جور المحتل، الذي غزا العراق ودمرّبنيته التحيته تحت ذريعة اسلحة الدمار الشامل ونشر الديمقراطية!!!
في [سنين عمّان] تعرفت أكثر فاكثر على حميد سعيد الإنسان والشاعر والمثقف الجدير بالاعتزاز، وكان سليم النجار أميناً في تقديم صورة جلية تليق بقامة إبداعية كبيرة، في حوارات متواصلة مع الشاعر الإنسان، كشف من خلالها عن عمق معرفي وثقافة راقية تنهل من موروث أصيل، ثقافة غير منغلقة تتلاقح مع ثقافات الشعوب المختلفة، وهذا ما اتضح من خلال ما عبرّ عنه من آراء وملاحظات دوّنها سليم النجار في المنجز الفخم الغني بجديده، الكاشف عن الوجه الآخر لشاعرنا الكبير واسهاماته الجادة في تأصيل المعرفة ونشر كل ما يليق بإنساننا المعاصر، ولست هنا بصدد الإشادة بمنجزه الشعري وعطائه المعرفي، وأنا الذي أدّعي القرب منه، وعدّه المثال والانموذج في ما أرى، فمهمة الإشادة بالمنجز ليست من مهامي، فهي للنقاد والباحثين والدارسين أصحاب التخصص، وكل ما أقوله هنا هو نثار ذكريات ــ ليست به حاجة إليها ــ توجب أن أشير إلى بعضها، فهي جزء من تاريخ مشرق أحترمه وأبجلّه، وعلىّ واجب الإشارة إليها والتنويه بها، واللافت للانتباه أن شاعرنا الكبير حميد سعيد وعلى امتداد صفحات الكتاب لم يشر ولو مرة واحدة الى ما كان يتعلق بحياته الشخصية وعلاقاته الاجتماعية، وهذا يدل على نبل أخلاق أصيلة في منشأ كريم وكان بمقدوره الإضافة إالى صفحات (سنين عمان) الثلثمائة بما يساويها أو يزيد من الصفحات، فحياته حافلة بالأحداث وأيامه ملأى بالنشاطات واللقاءات والمؤتمرات، التي تفصح عن سلوك إنساني رفيع في محطات عمره المديد، وتلمست، وأنا القارئ المعجب بإبداعه، أن معظم شواهده الشعرية التي كان يزين بها حواراته الجميلة، هي من عمق تراثنا العربي المشرق الباعث على التشبث بالأمل والنظر إلى المستقبل بروح مفعمة بالإرادة.
وقبل أن أطوي هذه الصفحات لابد من القول إن [سنين عّمان] أضاءت جوانب مهمة من تجربة شاعر كبير أسهم مع جيله الستيني بالحراك المنتج، الذي أرسى ثقافة وطن مازالت ثمارها يانعة ورموزها وشخوصها فاعلة في المشهد الثقافي العراقي والعربي.  وبرغم أن عشرات الكتب، التي صدرت من قبل أضافت إلى معارفنا الكثير عن حياة الشاعر الكبير حميد سعيد وابداعه، لكن من الإنصاف الإشارة إلى (الشمعة والدرويش) كتاب الأديب هشام عودة الذي تناول سيرة الشاعر ورؤاه المعرفية والحياتية.. على أن سليم النجار في (سنين عمّان) ساح بنا كما نشتهي ومنحنا الأمل ببزوغ فجر جديد، فله الثناء والتقدير على ما أنجزه، ولحميد سعيد الإنسان الشاعر العمر المديد فما زال أصحابك كثر وأحبابك على امتداد ارض الوطن ولا يرددون إلا ما قاله الشاعر الشعبي العراقي:
                    يا كثرة أصحابي من كان ظرفي بي دبس
                   يا قلة أصحابي من يوم ظرفي يبس
شكراً أيها المبدع سليم النجار، وبوركت أناملك الطيبة

قيم الموضوع
(0 أصوات)