ardanlendeelitkufaruessvtr

الاحتفال بليلة القدر زمنَ صلاح الدين

الاحتفال بليلة القدر زمنَ صلاح الدين
من حسن الحظ أن الرحالة الأندلسي محمد بن أحمد بن جبير الكناني المولود في مدينة بلنسية الأندلسية سنة 539هـ كان من ضمن الرحالة المسلمين ممن ذهبوا للشرق من مدينة غرناطة الكائنة بالأندلس إلى مكة المكرمة، ومكة حينئذ تحت السيادة الأيوبية وعلى كرسي الحكم يجلس السلطان الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي. وصل ابن جبير مكة في 11 ربيع الآخر 579هـ الموافق 2 آب (أغسطس) 1183م، وظل هناك ثمانية أشهر وتسعة أيام، سجَّل فيها مشاهداته في شكل يومي في الغالب. وكان مما دوَّنه في رحلته أجواء شهر رمضان بمكة المكرمة واحتفاء أهل مكة به، حيث شاهدهم وهم يضربون الطبول احتفالاً بقدومه، كما شاهد الاستعدادات للمناسبة ذاتها في المسجد الحرام. وذكر أن أهل مكة في كل ليلة وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان يختمون القرآن ويحضر الختم القاضي والفقهاء الكبار. وغالباً ما يكون الذي يختم بها أحد أبناء كبراء أهل مكة فإذا ختم، نصب له منبر مزين بالحرير، وأوقدوا الشمع، وخطب فإذا فرغ من خطبته استدعى أبوه الناس إلى منزله فأطعمهم. كما دون ابن جبير في رحلته أن أعظم الليالي في المسجد الحرام عند أهل مكة هي ليلة سبع وعشرين، حيث يكون احتفالهم لها أعظم من احتفالهم لسائر الليالي، ويختم بها القرآن العظيم خلف المقام الكريم. ودوَّن ابن جبير في رحلته أن الاستعداد للاحتفال بهذه الليلة المباركة يكون قبل ذلك بيومين أو ثلاثة وذلك لأنها على حد قوله "الليلة الغراء، والختمة الزهراء، والهيبة الموفورة الكهلاء، والحالة التي تمكن عند الله تعالى في القبول والرجاء". وتكون هيئة قيامها في المسجد الحرام بأن تقام إزاء حطيم الشافعية خشب عظام بائنة الارتفاع موصول بين كل ثلاث منها بأذرع من الأعواد الوثيقة، فاتصل منها صف كاد يمسك نصف الحرم عرضاً، توصل بالحطيم، وتعرض بينها ألواح طوال، وتجعل ثلاث طبقات، وعليها الشمع وقنديل الزجاج، فيكاد يغشى الأبصار شعاع الأنوار. وأحدق بشرفات الحرم كلها صبيان مكة، وقد وضعت بيد كل واحد منهم كرة من الخرق المشبعة سليطاً، فوضعوها متقدة في رؤوس الشرفات، وأخذت كل طائفة منهم من ناحية من نواحيها الأربع، فجعلت كل طائفة تباري صاحبتها في سرعة إيقادها، فيخيل للناظر أن النار تثب من شرفة إلى شرفة لخفاء أشخاصهم وراء الضوء المرتمي الأبصار، وفي أثناء محاولتهم لذلك يهتفون بـ "يا رب" فيرتج الحرم لأصواتهم.
ومذهب الإمام الشافعي، هو الأول في جميع الأوقات من الأئمة الأربعة التي في الأربع محارب المتوجهة وجوه الكعبة الشريفة الأربع. وأول القيام هو صلاة الشافعي قبالة باب الكعبة وراء مقام إبراهيم والكعبة متوجهة بالغرب وظهره مطلع الشمس. فإذا سلم الإمام الشافعي يقوم الإمام المالكي متوجهاً إلى الكعبة وظهره إلى غروب الشمس فإذا سلم الإمام المالكي أقام للصلاة الإمام الحنفي ووجهه إلى حجر إسماعيل قبالة الجنوب وظهره إلى الشمال فإذا سلم أقام الصلاة الإمام أحمد بن حنبل يصلى آخر الوقت في الصبح إلى قرب طلوع الشمس بالحمرة وكذلك العصر إلى الاصفرار "وهو عنده في مذهبه أفضل" على هذا اصطلحوا أئمة مكة في ترتيب أوقات الصلوات، الإمام الشافعي أولاً يليه المالكي ثم الحنفي يلى الحنفي أحمد بن حنبل. ليس هذا فحسب، فقد شاهد ابن الصباح في أواخر القرن الثامن الهجري ما يقوم به المجاورون في تلك الليلة من الاشفاع في الحرم الشريف وذكر أنه يشفع في الحرم المكي آنذاك مائة إمام مشفعين كل إمام يشفع بجماعة وكلهم متوجهون إلى الكعبة الشريفة. وكان عادة الشافعية أن يصلوا التراويح العشرين ركعة المعتادة، ركعتين ثم يطوف إمامهم سبعة وهم وراءه، وعندما يضرب الإمام بين يديه ما يسمى بـ"الفرقعة" يعود المصلون لاستكمال الصلاة، وهكذا حتى تنتهى العشرون ركعة. كما أن أصحاب المذاهب الشافعية والحنبلية والحنفية يتفرقون في نواحي المسجد، أما المالكية فيجتمعون على أربعة من القراء، يتناوبون القراءة ويوقدون الشمع، فلا يتبقى أي ركن من المسجد الحرام خالياً من قارئ يصلي بجماعة، فيرتج المسجد بأصوات القراء التي تعلو وتتهدج خشوعاً.
كانت تلك بعض المشاهد التي خطَّها قلم ابن جبير عن "عادات أهل مكة" في ليلة السابع والعشرين من رمضان وهي تجمع بين الروحانيات والعادات الاحتفالية والتعبدية في بلد هي الأحب لقلب رسولنا الكريم.

قيم الموضوع
(0 أصوات)