ardanlendeelitkufaruessvtr

ماذا تريد؟

بقلم علي أحمد الزين كانون1/ديسمبر 01, 2019 75

 

ماذا تريد؟
علي أحمد الزين
كل الذين هتكوا المدينة لم ينتبهوا أن اسمها بيروت..خذها.. تَعْلَمُ أنها باقية وتعلم أنك ستفوت.
ثورة بيروت
هل تريد بيروت
خذها.
حصتي فيها رصيف أتسكع عليه وكتاب، ومقهى للكلام، وحانة كانت لليل الندماء اتكأ بعضهم على بعض ومضوا على مضض بعد أن أعلن الساقي الكأس الأخير.
تريد صور؟
لي صورة فيها يوم كنت في العاشرة جغرافياً غرّاً أتعرف على البلاد وأسماء الأقوام التي بنت قلاعها في البحر والبر لغرض الدفاع والخلود ذهبوا وبقي الحجر، خذها.
تريد طرابلس؟
كل بواباتها توصلك. من باب الرمل إلى باب التبانة، يستقبلك فقراؤها بالغناء وعصير التوت وبحرف الألف المكور الصوت.
فتش في أسواقها عنّي تراني أتعلم طرق النحاس وحياكة عباءة لجدي وحمل المكاييل، وصنع أسوارة للعرس، ورتق الثوب العتيق وجرّ عربة العنب والرمان.
تستدل على اسمها من عطرها في بساتين الليمون وسوق الهال وعرق الشيالين.
تراني أسري وأترابي بين مساجدها العتيقة وكنائسها، لغرض التعرف على الله.
عاد قطارها الأخير من الشرق يوم ولدت ابنة جارتنا سماها والدها آسيا.
احتل الغزاة قلعتها وماتوا بعد حين، لي صورة هناك وصديق لي كان والده قبطان سفينة، تقاعدت على الشاطئ مائلةً، نصفها في الرمل ونصفها في الهواء، تحمل نفس الاسم، آسيا.
خذها.
تريد صيدا؟
حفرت اسمي على حجر فينيقي مرمي في الممر البحري إلى القلعة، كنت دليلا سياحيًا أعرّف حبيبتي الأولى على بيوت الأسلاف وأسماء البحارة القدماء. أضفت اسمينا إلى قائمة العابرين…
خذها.
خذ بعلبك، بمعابدها واترك لطلال حيدر معبد باخوس، ولميشال طراد كوخ فيروز ولسعيد عقل قصيدة علي.
واترك لي المسافة بين أعمدتها.
خذ عكار مسقط رأسي أهديك حجرًا من قلعتها حفر عليه ما قاله فخرالدين في بني سيفا. الحجر مرمي في الدرب بين دير القمر وعكار، مموه بالعشب مستسلم للنسيان.
خذه
خذ غابات الأرز وكتاب النبي لجبران.
خذ سهل البقاع وازرعه قمحا للفرس
هل تريد البحر؟ خذه بمراكبه العائدة من أندلس الأمس.
هل تريد حرمون وجبل المكمل وصنين وقلاع الرومان. جبال شاهقات خذها بثلجها، خذ ما شئت من شموخها المستحيل.
لكن!
ماذا ستفعل بها غدًا بدوني بعد شروق الشمس
هل فكرت؟
لا أضمن لك أن نهاراً يعطيك ما أخذته ليلا.
تعبت منك البلاد، من توالي جنازات متصلة لم تنته، مديدة، تستهويك لغرض أرضي فان، حزني كبير على فتية ترسلهم في الغموض لتزداد وضوحًا، في ليلك الطويل.
اعلم أنك تريد كل ما هو صعب عليّ،
لا يمكنني إعطاؤك ما أنجبت أمي من أسماء. ولا يمكنني أن أقرأها بالخط الكوفي على حجر مغطى بالثلج في مقبرة السلالة.
لا يمكنني إعطاؤك ما
أطربني من غناء أو شجاني
أو ما حفظته من شجر
أو ما رددته من شعر في مجلس جدي المعري ونديمي أبي النواس، أو ما دونته من ترادفات في المعنى ومن تجليات، في دفاتري.
لا أستطيع إعطاءك ملمحي وصوتي ولغتي، ولا طريقتي في التسكع في المدن وذهابي وإيابي في كتابي وفِي البحث عني فيك.
أنت لا تنتبه أنك ممعن في حفر هوة بيني وبينك، كلما ردمت منها ما يوصلني إليك فرغت منها ما يبعدك عني.
ماذا تريد مني؟
بيتي؟
كان لي بيت في حيفا أخذه أشكنازي يوم هجم العرب وربح الروم.
وبيت في إشبيليا قدمته لعازف غيتار غجري يوم خرج العرب ودخل الروم، وبيت أموي في دمشق نهبه الحرس
وبيت على دجلة الخير هدمه الفرس.
بقي لي بيتي الشتوي في بيروت،
ولي مركب في البحر أسكنه، يهدهد عمري الموج، وأنا أكتب سيرة المدن التي بكيناها.
انتبهْ، صورة أبي على الجدار، مائلة لخطأ في الخيط، ومكتبتي لا كتاب فيها يمهد الطريق إلى الجنة بمقدار ما يسهلها إلى الله،
خذها.
كنت أميل برأسي حين أنظر إلى البحر من نافذتي
رأيت أعمى تمشي خلفه جنازة طويلة، في أرض مهجورة وأطلال بيوت،
كل الذين هتكوا المدينة
لم ينتبهوا أن اسمها بيروت.
خذها..
تَعْلَمُ أنها باقية
وتعلم أنك ستفوت.
روائي وإعلامي لبناني

قيم الموضوع
(0 أصوات)