ardanlendeelitkufaruessvtr

الصنم والمطر

بقلم أبو بكر العيادي آذار/مارس 23, 2017 490

الصنم والمطر
أبو بكر العيادي
ودعنا الأسبوع الماضي شاعر الأنتيل الكبير ديريك والكوت (1930-2017). قال عنه الشاعر الأيرلندي سيموس هيني: “عندما يترك والكوت هواء البحر يخالط خياله، ينتج عن ذلك شعر أكثر شسوعا وإنعاشا من المناخ البحري في بداية عوليس جيمس جويس”. والكوت، الشاعر الأنغلوفوني الذي ظل مجهولا خارج جزر الأنتيل حتى فوزه بجائزة نوبل عام 1992، له طريقة مميزة في التعامل مع اللغة، إذ هو يمزج الإنكليزية بالفرنسية واللاتينية ولهجات محلية كالكريول، وكأن ثمة حاجة قارة لديه في مزج التقليد الأوروبي الكلاسيكي، من هوميروس إلى شكسبير، بالفولكلور الأنتيلي. ولكن الشكل الأدبي الذي يحصل عليه من ذلك المزج لا يقل حداثة وكونية.
فلئن كانت ميزته الأساس هي خلاسية لغته، على غرار أشعار فحول الأنتيل من إيمي سيزير إلى سان جون بيرس، فإنه بطرافته وسخريته، برصانته وغنائيته، ذو منحى كوني. والطريف أن هذا التعدد اللغوي لا يمثل مشكلة في جزر الأنتيل، فالواقع الثقافي الكراييبي تنهض به عدة لغات، ولكن رغم ذلك التنوع، ثمة ما يشبه وحدة ثقافية، يمثلها إدوار غليسان في جانبها الناطق بالفرنسية، وديريك والكوت في الجانب الآخر الناطق بالإنكليزية، أضف إلى ذلك وحدة في التصور، ووحدة في الإدراك، ونوعا من التواطؤ على مستوى رؤية العالم والوضع البشري بعامة.
ولو قارنّا الظاهرة اللغوية في تلك الجهة من العالم بواقعنا العربي، لوقفنا مشدوهين أمام قدرة شعوب البحر الكراييبي على تطويع لغات أقوام عديدة، من فرنسيين وإنكليز وهولنديين وإسبان، ولهجات ذات أصول أفريقية، لجعلها أداة خلق لأعمال كونية، رغم قلة عددهم وشحّ مواردهم وفظاعة تاريخهم؛ وعجزنا عن مقاربة نفس الظاهرة في أقطارنا، فلا نحن تمسكنا بلغتنا الفصيحة، لنصونها من أدواء كثيرة تنهش كيانها بلا انقطاع، ولا نحن استطعنا أن نطعّمها بلهجاتنا الكثيرة الموروثة عن سائر الشعوب التي استوطنت أراضينا على مر التاريخ، حتى نبدع شعرا يلملم شتات تلك اللهجات ويصهرها في أتون يراعي الحداثة وتجلياتها، وواقعها ومفرداته، ولا يدير ظهره للتاريخ وقاموسه ومتونه، شعرا يجمع بين الماضي والحاضر، يحتفي بالجديد ولا يتنكر للقديم.
في خطابه بستوكهولم، يوم تسلم جائزة نوبل، كتب والكوت يقول: “الشعر مثل عَرق الإتقان، ولكن ينبغي أن يبدو في نداوة قطرات المطر على جبين صنم؛ يصرّف زمنين في آن واحد، الماضي والحاضر، الماضي هو الصنم، والحاضر هو الندى أو المطر على الجبين. ثمة لغة دفينة وقاموس خاص: وعمل الشعر هو الحفر واكتشاف الذات”.
كاتب من تونس






سراب/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)