ardanlendeelitkufaruessvtr

الشعب المغربي والمهدي المنتظر !!

بقلم ابراهيم أوحسين نيسان/أبريل 28, 2017 382

ابراهيم أوحسين

 

لم يزل الوقت مبكرا على القول بأنني أستطيع قراءة الواقع الدائر حولي قراءة دقيقة سليمة، ومازال مبكرا كذلك على المغامرة والتحدث في أمور السياسة بِعُجَرِها و بِبُجَرِها كما يقول العرب. لكن، ومع ذلك، لابد أن نخلق هامشا من الحرية لنقول ما يدخل في حيز المشاهدة البسيطة والقراءة غير العميقة للأحداث اليومية، الحقيقي منها والمزيف !!

 

إذا كانت السياسة في أبسط تعاريفها تعبيرا عن عملية صنع قرارات ملزمة لكل المجتمع، تتناول قيما مادية ومعنوية، وترمز لمطالب المواطنين ضمن إطار عام تسعى فيه الحكومات المنتخبة إلى تحقيق أهدافها وبرنامجها المتعاقد عليه مع الناخبين. طبعا دون إنكار الخلفيات الأيديولوجية والمرجعيات الفكرية التي تدير دفة كل نخبة سياسية في دائرة القرار، دون المزايدة على خيار مصلحة الوطن التي تتعالى على كل منهج فكري مهما كان، وعلى كل إمكانية لفرض رغبات شخص ما على الآخرين.اختصارا، إذا كان الدارسون للعلوم السياسية عالميا قد تسالموا تقريبا على هذا التعريف أو ما يشابهه في المضمون، فلماذا لا تكون "السياسة" تلك هي نفسها في بلداننا العربية ؟! لم أتوسل هذه المقدمة حقيقة إلا لارتباطها براهن حديث الشارع المغربي والرأي العام، الذي لم يفتأ ينتظر تشكيل الحكومة الجديدة، بُعيد الانتخابات الأخيرة التي عرفتها البلاد؛ الشعب الذي ظل في قاعة الانتظار لمدة تزيد عن خمسة أشهر تقريبا، آملا أن تُسفر هذه المماطلة كلها عن حكومة "راشدة"، تستطيع الإنصات لنبض المواطن، بل تلتزم أمامه بتغيير وضعه المأزوم وانتشاله من مستنقعات اجتماعية واقتصادية وثقافية لم تجفّ مياهها الراكدة منذ فجر الاستقلال، حسب ما كانت أبواق الدعايات الانتخابية تصدح به في كل مكان. لكن، سُقِطَ في أيدي المغاربة من جديد، ولم تأت تطلعاتهم إلا بما أتت به الحكومات السابقة، وكلما تمخض الجبل إلا وأنجب فأرا كالمعتاد !! فكان أن استُوزِرَ تسعة وثلاثون وزيرا، بينهم تسع نساء. سيرهم الذاتية تظهر أنهم من علية القوم، ولا أحد منهم أكل في صغره خبزا حافيا، وخطا بقدمين حافيتين مثل قطاع عريض من الشعب، والأدهى أن بعضهم يقطنون في أوروبا ولا يعرفون من المغرب إلا أرقام هواتف ذويهم .. فكيف تُراه يمكن للمتخم أن يُحس بالجائع ؟ و المتأنق ببدلات "مُوقَّعة" بالعاري ؟ والمقيم في إقامات ديبلوماسية فارهة بالذي ينقل أبناءه من كوخ مهدم إلى آخر ؟ والذي يتنقل بسيارات الدولة الفخمة بالذي يستقل الحافلات المزدحمة ؟ قطعا لا يستوي هذا بذاك، ولا يمكن لمن لم يخْبُر معاناة الناس وأوضاعهم أن يغير وأن يُصلح، كما لا يمكن لمن لم يَنْبُت بماء الآبار المالح والخبز القمحي الصلب أن يضع برنامجا تنمويا يُحْيي مَوَاتَ الشعب ويستدرك ما يُعوزهم.

 

إني لمتعجب أشد العجب من شعب ينتظر مستقبلا ورديا وزاهيا من حفنة وزراء عرفهم أجداد الآباء وعرفهم الآباء، وها هم الأحفاد يعرفونهم بنفس ألقابهم؛ طبعا، لأن عُرفنا "السياسي" يسمح بتوريث المقاعد البرلمانية، بل، بتوريث الوزارات كذلك. فإن كنا نسمع بالشركات والمؤسسات العائلية، حتى عدنا نرى بعيني رؤوسنا وزارات "عائلية" غير معلنة !! ومن الحمق _ كما زعم أينشتاين _ أن تعطي نفس الأسباب نتائج مختلفة كل مرة ؛ وإنه من الحمق كذلك انتظار شخص "غريب" بعيد كل البعد عن حركات وسكنات المجتمع أن يُخلِّص الناس من فقرهم ومن جهلهم، كما ينتظر أصحاب العقيدة "المهدية" مُخلِّصهم منذ قرون، المنوط به ملء المعمورة هدى وإيمانا وعدلا، متجاهلين الآية القرآنية الواضحة وضوحا فاقعا، التي يقول فيها عز وجل ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾1

 

فإذا كان التغيير في شتى شؤون الحياة نابعا من النفس ومن الذات، فمن العبث "الدون كيشوتي" قطعا الوقوف في أماكننا جامدي الإرادة مُشرئِبِّي الأعناق، متطلعين لمعرفة رياح التغيير أتأتي شرقية أو غربية !! وقديما قال «الشافعي» :

 

 نبغي النجاةَ ولم نسلُكْ طريقتها // إن السفينة لا تجري على اليَبَسِ

 

إن " السّلبية " المتجدرة في المواطن المغربي، التي تحدث عنها المفكر « عبد الله العروي» في مناسبات عديدة واقع لا مراء فيه، ويجب أن نعترف أن "الانتظارية" المتفشية بيننا كبلت بشكل ملفت كل إمكانية للتحرك وتغيير مواقع أقدامنا الثابتة، وتحيين عقولنا وسلوكاتنا وأنماط تفكيرنا الراكدة المعتادة منذ أمد طويل على استقبال الحلول من الخارج، دون بذل أدنى جهد يذكر. فيُنتظر من الحكومات " المؤقتة " أن تنظف بيوتنا وشوارعنا، ويُنتظر منها أن تطارد العاطل وتبحث له عن عمل وتنشئ له بيتا وتبحث له عن زوج، ويُنتظر منها كذلك أن تجعل البلاد جنة على الأرض. إنها أضغاث أحلام حقا !!

 

لا ينبغي أن يُقرأ هذا الكلام طبعا بحُرُوفية مطلقة، فهذا يعني إخلاء الحكومات المنتخبة من كافة مسؤولياتها والتزاماتها إزاء المواطن، فالدولة _ والحكومة جزء منها_ مرتبطة بعقد اجتماعي _ بتعبير «روسو»_ مع رعاياها، وهي، أي الدولة، المشرفة على مختلف الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الهادفة إلى تقدم وازدهار البلد، وكذا إلى تحسين مستوى حياة الأفراد فيه. وهذا من البَدَهي والمسلّم به. وقصْدُنا هنا الجمع بين "إيجابية " المواطن و"رعاية " الدولة من خلال حكوماتها المتعاقبة، والجمع بين مسؤوليتيهما تجاه الوطن. فلا أحد ينتظر الآخر ليأخذ زمام المبادرة، ليلتحق الساكن بالمتحرك ويتعقب خطاه. فنحن من موقع الشعب، يلزمنا تجميع أشتات إرادتنا الجمعية في تغيير ما يمكن تغييره داخل نطاق محيطنا القريب، دون الحاجة إلى تعداد الساعات والأيام في انتظار تنفيذ مقتضيات برنامج حكومي كان مجرد "وعد"، والوعود في طبيعتها دائما تكون رهن الغيب، فإما أن تتجسد في الواقع ويهنأ بها المواطن، وإما أن تكون في طيّ النسيان، وهذا أغلب الظن ما يحدث في ظل غياب رقابة حقيقية ومحاسبة لكل المتلاعبين بمصائر المتطلعين إلى وضع أفضل.

 

إن كل إرادة شعبية للتغيير تفوق دائما إرادة مؤسسات الدولة، خصوصا إذا وُضعت هذه المؤسسات في أيدي "الغرباء" عن المجتمع، أولئكم الذين يظلون في غيبوبتهم وفي قطيعتهم عن أوجاع الناس طوال فترة تقليدهم مناصب المسؤولية. والتاريخ أكد ومازال يؤكد إمكانية التغيير الجذري للأوضاع العامة طالما تحركت "الرغبة" و "العزيمة" في نفوس ووجدانات الجماهير الشعبية، مستحضرة كامل واجبها و مسؤولياتها تجاه محيطها،فهي التي حررت الأوطان من الأطماع الإمبريالية الخارجية، وكانت صمام الأمان ضد الأنظمة الحاكمة الفاسدة؛ وهنا نتذكر جميعا «جمال الدين الأفغاني» مخاطبا الشعب الهندي المستعمر آنذاك من الدولة البريطانية، حين قال: " أيها الهنود، لو كنتم سلاحفَ لاستطعتم بعددكم أن تَجُرُّوا بريطانيا، ولو كنتم ذبابا لزعزتموها بطنينكم !! ". فالشعوب جملة وتفصيلا ما صنع ويصنع الحضارات الإنسانية، ولا داعي لانتظار "مهدي" وهمي أو مسؤول حكومي يصنع المعجزات بعصا سحرية. ولقد صدق «موليير» قائلا: " الثورة لم تصنع موليير، إنما موليير من صنع الثورة ".

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)