ardanlendeelitkufaruessvtr

على ذمة الزندقة بين الاحتلال والإرهاب

بقلم سهل النعمان الجعفري أيار 05, 2017 628

 

سهل النعمان الجعفري

 

تنضج الفكرة حينما تستكمل حيثيّة تصورها الذهني ثم تهبط من علياء سماء العقل فيضربها اللسان على أثير المسامع أو تُرسم بصمت حروف الأبجدية لمن يقرأ . أمّا قيمة الفكرة وسعرها في التسويق فهي تخضع لمسوّغات اللون والطعم والرائحة وملائمة أذواق وحاجة عقول البشر. كان سليمان النبي يعلم منطق الطير وقد حُشرت له الوحوش وملك الجنّ والإنس في عظيم سلطانه حتى أن بلقيس التي كانت تحكم أهل اليمن قد جُلبت إليه بعرشها قبل أن يرتدّ إليه طرفه في القصة التي لا ننكرها بحكم تسليمنا لله رب العالمين ؟ والقصة برمتها تمتحن العقل البشري الذي لا يتقبل إلا ما هو منطقي ويخضع لمسلماته القضائية في حكمه على صحة وسقم الاشياء وهنا تتعطل كثير من قوى الخيال الذي يعتبر مسرحا لشياطين الجن . ومشكلتنا ليست في  ساق بلقيس وعرشها أو قول النملة لمعشر النمل أن يدخلوا بيوتهم حتى لا تدوسهم اقدام جيوش سليمان من حيث لا يشعرون ، ولا في الكثير من النصوص التي تستهين بالمنطق المحدود الذي نعتمده في أحكامنا . أن محنتنا الكبرى التي يجب أن لا نهرب منها  تتعلق بالحقيقة ، أجل الحقيقة التي تعيد  لنا بوصلة العقل في تحديد مكان الأشياء ومعرفة اتجاهنا في التفكير والهدف . هذه معركة بلا أدنى تصوّر , ولا نبالغ إذا قلنا بأن أكثر العقول تهرب من هذه المعركة الشاملة والمصيرية على حساب تحرر الإنسان من احتلال الأكذوبة والوهم والخوف وكل ما يستعبده أو يستغله بسلطة الجهل التي تهيمن على مقدراته وتسلب كرامته وحريّته بقناعة التسليم للمجهول ؟ في تاريخ العقل الإنساني أنبياء وفلاسفة ومبدعين وعلماء تفننوا في الحرب مع الطبيعة وتركوا لنا مجدا وتراثا ثقافيا وفكريا عظيما وآثار لمنجزات حضارية تشهد على براعة ومقدرة الإنسان وسيادته على الأرض . مع كل ذلك يعجز هذا الكائن العاقل أن يدير شؤونه الذاتية ويفشل دائما في إدارة العلاقات بين الأجناس البشرية أو العلاقة مع البيئة التي تمدّه بالحياة والديمومة . العقل  عالم كامل في حدود ذاتيته يدور في افلاك عوالم أخرى من العقول ويخضع لتأثيرها والمعقول في هذا الترابط هو المعالم التي تتعدد صورها في مثولها الطبيعي أو الذهني ولا شك بأن العلم هو الوعي النسبي للعقل البشري بحقيقة وجود المعالم والنسبية هنا تختلف بين عقول البشر وفق طبيعة خلقها في الموهبة والاكتساب , هنا تبرز مسألة النبوّة ومسائل أخرى كثيرة تتعلق بعقول البشر ؟  النّبي كائن بشري يمتلك عقل متفوّق لديه القدرة على إعجاز مدارك العقول بفرض حقائق تثبت صحة علمه بالأشياء قبل حدوثها أو يخرق حدود المنطق بأفعال معجزة لا يستطيع غيره أن يأتي بمثلها !  والفرق هنا أن العقول تتقبل علم النبوّة ولا تتمكن تحصيل هذا العلم عن طريق التفكير . والسؤال الذي يفرض نفسه علينا هو المصدر ؟  ملك مصر يرى رؤيا في منامه ويعجز عقله أو عقول علماء عصره عن فهم وتفسير رموز الرؤيا ؟ فيأتي شاب من سجن مملكته ليفك رموزها بمنطق مقبول عقليا لدى الملك وحاشيته فيرفع مقام السجين الى وزير ! أين حقيقة النبأ ومصدره ؟  الموضوع في عقل الملك والتفاصيل يشرحها يوسف النبي ومع كل ذلك يخضع النبي لقانون الملك حينما دسّ صاع الملك في رحل أخيه ليفتري حجة على أخوته ويأخذ أخاه جزاء سرقة لم يقترفها ؟  وهي مكيدة طبعا لأن دين الملك الذي هو القانون العام لا يسمح بالتجاوز على حقوق شخص بدوي جاء يستجدي عطاء يبقيه على قيد الحياة . ولن نغادر هذه القصة قبل أن نضع حجة على اللذين يدعون الإسلام ويكفرون بالقوانين الأوربية التي بلغت من العدل وحفظ  كرامة الإنسان وحقوقه  ما لم تبلغه كل فترات الزهو بالحضارة الإسلامية وهم لا يستطيعون إنكار نبوّة يوسف والمعلوم أن جميع الأنبياء هم مسلمون , فمن أين يشرعون لأنفسهم جواز فعل الجرائم الإرهابية ضمن بلاد سمحت لهم بالعيش الكريم على اراضيها ؟ وأين هم من الآية القرآنية التي يقول فيها يوسف عن العزيز (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) آيه 23 سورة يوسف . هذا إقرار صريح بربوبية العزيز في قوله إنّه ربي أحسن مثواي لأن يوسف النبي كان عبدا في ملكه ؟ والقضيّة لدينا أبعد من جمود العقول التي لا تستطيع فك رموز النبوّة القائمة والمحفوظة في القرآن المجيد والتي لا يمكن لعاقل منفتح على بصيرة أن ينكر هذا الحق المنزل على النبيّ العربيّ الأمي محمد بن عبد الله عليه وعلى كل رسل الله السلام . الجدير بالإضافة والأهميّة هو ما ذكر في كتاب الله عن عقول لم تبلغ مستوى النبوّة وحدد تفوقها بالعلم مثل الرجل الذي عنده علم من الكتاب في حضرة الملك النبي سليمان والذي كان اسرع من عفريت الجن في امتلاك القدرة على جلب بلقيس مع عرشها ولذلك علينا أن نبحث عن (علم الكتاب) وكذلك الرجل الذي التقى موسى النبي وسأله أن يعلمه مما أوتي من علم ؟  ولم يذكر لنا القرآن عن هذا الرجل إلا كونه عبدا من عباد الله قد آتاه الله رحمة منه وعلمه من لدنه علما ؟  والتركيز على العلم , وهنا مسألة دقيقة تحدد أفق علم النبوّة ولنفهم بأن علم الأنبياء ليس مطلقا وإنما هو مقيّد بحدود ما يُلقى في روعهم وإلا كيف لرجل عالم أن يخبر نبيّا بوقائع ستنتج عن أفعال غير شرعية في ظاهرها وعقل النبيّ كان ينكرها استنادا لقانون شريعة الله التي هو مأمور بتبليغها ؟ والأكثر موعظة أن الرجل يقول لموسى أنك لن تستطيع معي صبرا وبحجة منطقية مفادها واضح , وكيف تصبر على ما لم تحط  به خبرا ,   ومعلوم أن رحمة الله لم ولن تنقطع وعلم الله باقيا وهذا باب يبقى مفتوحا للخلائق بعد اختتام النبوّة ., أن موضوع الدين والعقل ومنطق العصر يثير إشكالات كبيرة لا يجوز اهمالها إطلاقا واللذين يهملون هذه القضيّة هم بين فريقين , فريق لا يعترف ولا يقر بوجود خالق أو دين إلهي وفريق عاجز عن فهم الدين في جوهره ويسلم تسليما أعمى لمن يتبرع له بالتأويل والاجتهاد أو حتى تحريف الدين نفسه وتصريفه باتجاه مصالح دنيوية خاصة تعطل حقيقة الغاية من التشريع وتنظيم البشر وفق إرادة ومشيئة  خالق البشرية . أما أين تكمن الحقيقة ؟  فهذه المهمة لا يمكن حسمها في مقالة ولن نترك البحث أو نستسلم لفرض أوهام على عقولنا من أي طرف , ومؤكد بأننا سنحقق الكثير في سلوك هذا السبيل مع التحفّظ بلزوم الحجة وفق مسلمات وبديهيات أحكام وعلم المنطق. ولن ننتهي من هذه المقالة قبل القول بأن أصنام عصرنا فولاذيّة الصناعة والسحرة أكثر مهارة في قلب موازين الصور الذهنية واللبس على مدارك البشر , وبأن الطوفان العظيم لازال يُغرق مساحات العقول ويطمس معالم وجودنا ونوح العقل الإنساني المنفتح على بصيرة يستجمع ألواح النجاة وينحتها علما يقينيّا  بعد قطعها من شجرة الحياة الأبدية لكي تكتمل سفينة الدين النظام بشراع مواجهة الرياح وهي  تسير على معالم الغرق الذي يموج في تلاطم الأحداث ورياح التغيير الحتمي الذي تعيشه البشريّة حتى ينجلي الغمام وتبتلع الأرض ما تدفّق من باطنها غضبا أو بترولا قاتلا  ولابد حتما أن ترسو على جنّة أرض الحقيقة . 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It