ardanlendeelitkufaruessvtr

طقوس الكتابة والكلام . إهداء الى الأستاذ الدكتور تحسين الشيخلي .

سهل النعمان

 

أستعير الانطباع من رسم الدكتور تحسين الشيخلي لراعي غنم متحضّر يحمل زوادة خبز يغادر صامتا ليترك خلفه عالما من بهائم الصُم والبكم اللذين لا يفقهون , أمّا الكلام وكيف يرسم على الشفاه فهذا تعبير يرتقي على النطق في رمزيته ولا تقرأ المشهد إلا عين مبصرة , ولكن ما هو الفرق بين المحاكاة والكلام , وما هو الفرق بين رسم الأشياء والكتابة ؟ نحن نرسم نطق أو نضربه على حاسوبنا لكي نجتاز به السمع الى ذهن المتلقي ليفهم معناه وله حق تقبله أو نفيه من ساحة ملكته الذهنيّة ومن بين كم كبير من الحشود لا تخلد إلا القلة القليلة , والكلام في اللغة هو الأثر وكم هو الهباء الذي يداعب ابصارنا أو أسماعنا ولا يؤثر فينا في اجمال ما نحاكي تلاوة أو تتبعا , أما الكتابة فهذه شأنها يختلف ؟ نرسم ما ننطقه وننطق ما يُعبر عن الأشياء في محيطنا من الشواهد والمعالم الماثلة للحواس أو التي نعي حقائقها في عقولنا , وأما الكلمة على حقيقتها فهي الشيء نفسه وليس ما ننطقه او نرسم ما يشير اليه , كلمة الفرات , ليس ما رسمته آنفا وما ينطق اللسان , الفرات هو النهر المعلوم بحقيقته الشاهدة على الارض وهذه الكلمة تاريخ وحياة وعلم وأساطير . وكل معالم هذا الكون هي كلمات مكتوبة على رق الوجود العظيم وهذا هو الكتاب الحقيقي المنشور في معالمنا وعوالمنا بمظاهره ومضمون معانيه وجوهره . بقي ما نكتبه نحن البشر فهو ما نبنيه ونصنعه ونزرعه وكل أبداع يشهد لنا حقيقة ماثلة للحس وللعيان أو علم يتفاعل في كياننا . من هو ذلك المعمم الذي يستطيع التفريق بين الكتاب والقرآن وبين الفرقان والتوراة والإنجيل والصحف المكرمة ؟ لا أحد البتة , بل انهم لا يفقهون ما هو الكتاب فأنّى يبصرون . الكلام صفة المتكلم والصفة لا تخرج عن هويّة الموصوف وحين يكون البعض ثرثارا يذيع ما تلهج الألسن وكل ما يسمع فهذا يفقد هويته وقدر كيانه والفارق بين الكلام والقول في الإنتاج أو الأثر كما أسلفنا البيان ولا حاجة لأن نتعمق أكثر . الخطاب البليغ يشقّ أخدودا في مساحات الأذهان وليس المستهلك المليء بالثقوب كما يصف الدكتور تحسين التنميق وله كل الحق حينما ينعت حضارتنا ويطلق عليها تسمية حضارة القبور لأنها ميتة فعلا عندما لا نجد ما تتداول الألسن إلا القيل والقال وكل القول يدور في فلك عتى عليه الزمن وتم استهلاكه , حقا أنها ثقافة الموت كما عبّر عنها الشيخلي لأنها تخلو من أنوار الحُب والعدل والحريّة والتقدم وبهجة الإبداع التي تمنح وجودنا الفرح والاستمتاع بالحياة .

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)