ardanlendeelitkufaruessvtr

حينما يكون المقدس اداة للقمع

علاء الخطيب

 

يقول الكواكبي في كتابه القيم طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ان اعظم انواع الاستبداد هو استبداد رجال الدين، لانهم يستخدمون المقدس ويعزفون على وتر العقيدة لإقناع الناس ، وهذا الكلام ينطبق على كل رجال الدين دون استثناء. 

 ويعتقد الكثيرون ان الاستبداد السياسي ناتج عن الاستبداد الديني ، والمتمثل بالحق المقدس للحاكم ، لذا لا يمكن مناقشته او الاختلاف معه ، فالمقدس يمنح العصمة لرجل الدين في المجتمع واذا كان رجل الدين هو الحاكم فعلى الناس السلام . لذا يعتقد الكواكبي أن إصلاح الدين هو أسهل وأقوى وأقرب طريق للإصلاح السياسي. 

 فقد كان السيد المسيح يقول للحواريين انتم ملح الارض ماذا نصنع لو فسد الملح.  

فبالمقدس تستطيع ان تقمع كل الخصوم دون ان يعترض عليك احد وتقنع الموالين مجانا دون عناء، فستجد من يسخر نفسه وأمواله لك لاعتقاده انه يقدم خدمه لله عن طريق المقدس (الوهم ) .

لذا ما حدث في محاكم التفتيش ، وقتل العلماء والمفكرين بتهمة الهرطقة وما يحصل اليوم باسم الاسلام إنما هو عملية استغفال لعقول العامة واستخدام المقدس ( الوهم ) في الوصول الى الأغراض السياسية . 

هناك الكثير من مشاعل الحرية الفكرية والإنسانية أطفأت بسبب التعصب الديني وتدنيس المقدس،  

فواحدٌ من هذه المشاعل هي هيباتا الاسكندرانية ذات الجمال والجاذبية والحكمة ، هذه المرأة التي لمع نجمها في علوم الفلسفة والرياضيات والفلك، رغم كونها عاشت في زمنٍ تأثر فيه الناس بشدة بفلسفة أرسطو الكارهة للنساء بدعوى أنهن لا يمتلكن قدرات فكرية كالرجال، وقد عارض هذه الفلسفة أفلاطون وفيثاغورس اللذين نادا بالمساواة الفكرية للنساء وتشجيع تعليم المرأة.

 لكن هيباتا التي وصفها سقراط بـ الملهمة الخالدة وقعت ضحية رجل دين يدعى كيرلس الذي حاربها بأدواته المقدسة وقضى عليها قضاءً مبرما ً وقتلها شر قتله كما سَيَمر عليك . ولم يكن دافع ذلك الا الغيرة والكراهية والجهل . 

بدأت قصة هيباتا ومعاناتها في العام 412م، حينما ظهرت قوة دينية جديدة متزمتة في مدينة الاسكندرية يقودها أسقف كنيستها كيرلس، الذي كان متعصباً ومتطرفاً تجاه اليهود والفلاسفة والعلماء والمثقفين فقد اتهم الجميع بالهرطقة وكفرهم ، ودخل في صراع سياسي مع حاكم الإسكندرية أوريستوس بسبب صداقته لهيباتيا والتي اعتبرها حجر عثرة يمنعه من السيطرة الكاملة على الإسكندرية؛ نظراً للتأثير الكبير لها على عقول الكثير من المسيحيين واليهود والوثنيين .

فقد اصدر هذا الأسقف بيانا اعتبر فيه دراسات هيباتيا خطراً عظيماً على الديانة المسيحية وأنها تمثل هرطقة شيطانية تفسد العقول، وعلى الرغم من أن الإسكندرية كانت من قبلُ مكاناً منفتحاً يسمح للرجال والنساء من الشرق والغرب والوثنيين والمسيحيين واليهود بالعمل جنباً إلى جنب بعضهم مع بعض، إلا ان كيرلس استطاع ان يستغفل عقول البسطاء وجمع حوله مجموعة من الجهلة يأتمرون بأمره ولا يعترضون عليه وهو يوجههم اينما يريد ، أراد من خلالهم السيطرة السياسية والدينية على المدينة، فاضطهدوا كل من لا يدين بالمسيحية وأيضاً من يدرس الفلسفة والرياضيات والعلوم التي ترتبط بهما.

 

شيئاً فشيئاً، أخذ كيرلس يخطط للتخلص من هيباتيا فهاجمها في خطاباته وأوغر صدور المسيحيين ضدها، وفي ظهر أحد الأيام كانت هيباتيا في طريق عودتها إلى منزلها، عندما هجم عليها فئة من الكهنة والرهبان، وجروها من عربتها وجردوها من ملابسها، وبالطبع يعد ذلك فعلاً مشيناً لامرأة من أصل نبيل مثلها، وكانوا يهتفون بضرورة قتل الساحرة، وللأسف ازداد الوضع سوءاً بعد ذلك فاجتمع الغوغاء حولها وسحبوها إلى معبد كان قد حُوِّل إلى كنيسة، وقاموا بسلخها وهي على قيد الحياة، ومزقوا أطرافها وأحرقوا جسدها.

 لكن المفارقة هي ان القاتل اصبح قديسا ً والقتلة صاروا أسياد المجتمع بفعل عاملي الجهل والمقدس.  

فعلى الرغم من كون كيرلس المتهم الأول في اغتيال هيباتيا، فإنه بعد وفاته مُنح لقب قديس بموجب قانون كنسي، فلا عجب ففي العراق اليوم كثير من القتلة الذين منحوا ألقاب زعماء وشيوخ وتاج راس وأصبحوا خطوط حمراء، كما لم يُعاقب الكهنة والرهبان المسؤولين عن قتلها، وبعد وفاة هيباتيا بدأ العصر المضطرب؛ إذ اشتبكت الفصائل المتناحرة من أجل السيطرة على المدينة. وباختصار، يُمثل اغتيال هيباتيا نهاية حقبة العالم الوثني اللاتيني ذي الطابع المتحرر فكرياً وثقافياً وبداية هيمنة التعصب الديني وقمع المختلفين ممن بقوا على الديانات الوثنية القديمة، وتحريم دراسة الفلسفة وما يرتبط بها من علوم.

  واليوم بعد مرور 1500 سنة مازال كيرلس وإخوانه بيننا ، يحكم ويتحكم ، ويمنح لقب مقدس ،ويتبعه الكثيرون ويأتمرون بأمره، ويقتل المثقفين ويخطف الناشطين ، ويسرق الأموال ويعتدي على القيم ويمارس الفساد بأسم المقدس ، وتجد من يبرر له ذلك باسم الدين ويهتف له ( علي وياك علي ) .

 نزع كيرلس الصليب الذي يرتدية ولبس العمامة وترك الصولجان ومسك المسبحة، وهاجر من الاسكندرية وسكن العراق ، فقد وجدها الارض الخصبة لأفكاره وهي ينتظر ان يقتل هيباتا واخوانها وأخواتها .

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الثلاثاء, 17 تشرين1/أكتوير 2017 03:51
علاء الخطيب

كاتب واعلامي عراقي

صحيفه الحدث

1اولى.pdf 1 copy

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It