ardanlendeelitkufaruessvtr

الحبّ بين الريف و الويفي (الواي فاي)

بقلم: حياة بن بادة

 

ليت شعري ماذا لو رضيت يا قلب بحبّ قروي أو بحبّ محليّ لا يتعدّ حدود حيّ شعبي ضيّق الأزقة و تقليديّ الحارات ؟ ماذا لو فتحت عينيك على شرفة تجاور بيتهم أو شبّاك يقابل بابهم؟ ماذا لو تجسّست على أقدام عابرة تفتح باب بيتها و تحمل قفّة قادمة من السوق ضحى أو محفظة راجعة من المدرسة مساء أو حقيبة عائدة ليلا من سفر أحدثته الجامعة، ماذا لو فتحت الباب لتلقي تحيّة العشق التي تنطقها العيون على أبناء الجيران ؟ ماذا لو بقيت في مكانك وماذا خسرت لو عشت حبّا تقليديا يقطع تذكرته بين الأهل و الجيران ؟ ماذا لو مكثت في شارع و حيّ و زقاق و مدينة؟ هل كنت لتشقى أيّها القلب ؟ هل كنت لترتدي لباسا عصريا؟

هذا ما تمتم به فتاة أضاع الويفي (الواي فاي) قلبها و تلاشت شرايين الحبّ اللاسلكية لديها بين الواقع و الخيال و بين نقاط الخذلان الساخنة و عطش الحبّ اليتيم. هذا ما تتمتم به فتاة تشبه الويفي (الواي فاي)، فتاة لا تخترق جدران الجيران بالثقب و تكتفي بالغوص لاسلكيا في عالم يهوى التجوال على متن أمواج راديوية لتعدّ لفؤادها شبكة للحبّ.

و تعود بعد كلّ زيارة لذلك الخذلان تلوم قلبها مرة أخرى " ماذا لو بقيت في مكانك وماذا خسرت لو عشت حبّا تقليديا يقطع تذكرته بين الأهل و الجيران ؟ ماذا لو مكثت في شارع وحيّ وزقاق و مدينة؟ هل كنت لتشقى أيّها القلب ؟ هل كنت لترتدي لباسا عصريا؟"

الحبّ قديما كان يلبس قماشا مصمّما على شكل تقليدي فضفاض ما بين سروال و تنورة وها هو اليوم يلبس "الجينز" عند البعض و "الجينز الناجي من تفجير" عند البعض الآخر. محمودا كان أو مذموما، مباحا كان أو منبوذا، معلنا كان أو مستورا، الحبّ الريفي لا يشبه حبّ الويفي (الواي فاي) أي أنّ حبّ الأمس لا يشبه حبّ اليوم.

الحبّ قديما كان يرشق النوافذ بالحصى والزهور و العيون و الورق المطوي و اليوم يكتب الكترونيا، الحب سابقا كان يكتب بيدين مرتعشتين و حروف متراقصة على ظهر السطور، فتبدو أحيانا معوجّة من الارتباك وأحيانا مستوية من الثقة والصدق، الحب قديما كان يكتب في مطوية تقلّ الكلمات و المشاعر وتعطر بأريج العاشقين و تجود ببقايا ذات دمعة مرسومة على الورق و خيال قبلة صامتة و ظلّ رموش وأخطاء إملائية. في الماضي يكفي أن يحتفظ عشاق بمطويّة في جيوبهم، تحت الوسادة أو بين الكتب أو في علبة في المطبخ و اليوم يخزّن آخرون رسائل الحبّ في جيب حاسوب أو هاتف ذكي مرهون بتغطية اتصالات وأسلاك كهربائية تكوي القلوب مع كلّ انقطاع للتيّار أو موت بطارية. الحبّ بالأمس ينتظر الصباح و المناسبات ليلاقي حبيبين و اليوم تكفيه رنّة في كلّ لحظة. الحبّ سابقا كان يبحر على متن قارورات الشراب الزجاجية من مرسى إلى مرسى و اليوم يركب الويفي(الواي فاي) و يسدّد ما عليه من أرصدة و فاتورات، الحبّ قديما كان يبدأ بليلة ويعيش للقبر واليوم يبدأ لسنوات وينتهي بليلة، الحبّ في الماضي كان يبدأ بنسوة و ينتهي إلى رجل واليوم يبدأ برجل وينتهي بنسوة، الحبّ في ما مضى كان يواعد الحمام الزاجل، واليوم تخلفه عبقرية تكتب وتبعث بالأرقام الرسائل، حبّ الماضي يعرف الحمام وحبّ اليوم يعرف الأرقام، و كم من الحبّ قديما كانت تجسدّه هرولات رجل يحمل امرأته المريضة بين ذراعيه إلى الحكيم واليوم يقلّه الطلاق العاطفي إلى قبر مشيّد للكراهية، وكثير من الحبّ سابقا لم يعرف خلعا، ولم يشهد كسوفا، ولم يرقب خسوفا و لم يعش غيبوبة. واليوم ننتظر مشاهدة الحبّ القديم في الأفلام والمسلسلات القديمة، و اليوم لم يبق لنا سوى أن نقبّل رأس الحكواتي والروائي كونهما يعيداننا لعصر الحبّ بأشكاله التقليدية.

 إننا لا زلنا نعشق الحبّ القديم لهذا تبهرنا المسلسلات.

 حبّهم اللاسلكي مكلّف أيّها القلب اليوم، معذّب جدّا، لا تقو عليه الخزائن البرجوازية والقبعات الأرستقراطية و لا يقو عليه المنطق الذي يعاتبهم لأجله الناس. حبّهم أكبر منهم فلم تقودهم إلى حتفهم ؟ حبّهم يريد تأشيرة و شركة اتصالات و جهدا كثيفا و صبرا عميقا، حبّهم يريد عمرا طويلا و ما يدريهم علّ أعمارهم قصيرة ؟ حبّهم يريد قصائد و مطابع و دور نشر وأموالا طائلة و دراسات و أشغالا شاقة و سفريّات و هجرة و غربة و إحباط وترويع ومغامرات و معاناة، حبّهم يحتاج لأن تركب أشكالهم و أصواتهم ظهر الويفي (الواي فاي) ويبحرا على متن الانترنت، و حبّهم لولا حرص السيّد " مارك " مجنون بصورة لا تشبه الجنون. و حبّ كهذا قد يحدث الفوضى و قد يجذب السخط أو الرضا و قد يستدعي المصنّفين ليجمعوا عصاباتهم و ليحكموا عليهم بالنار أو الجنّة. ومن الحبّ قديما ما كانت تناجيه و تسلّيه و تواسيه أغاني عبد الحليم و أم كلثوم و فيروز و الأطرش وأسمهان واليوم إذا تحدثنا عن الحبّ قال بعضهم لسنا في عصر عبد الحليم. و مع ذلك، لا زال هنالك من لا زال يؤمن بعبد الحليم و يبحر به أيضا على متن الويفي (الواي فاي).

ذاك هو القلب و ما اشتهى، هو الحبّ إذا ما انتهى إلى زوايا شريان. و ذاك هو الحب اللاسلكي، بإمكانه أن يجمع و أن يفرّق في رمش عين. دعوهم بقلوبهم هذه يعيشون عصر عبد الحليم و يمزجون الأطرش بالويفي (الواي فاي) ومثلما غنّى ذات يوم علاء الزلزلي " خذوا عيني شوفو بيها " أناديكم أن تأخذوا قلوبهم لتتفقدّوها، لربّما تغلغلتم في عقولهم، فأحبّ يا قلب قدر ما شئت، و لك أن تحيا أو تموت، فاقطع ما شئت من بحار، إنّك بحب كهذا قد تحديت الكبار. و هم بحبّ كهذا قالوا إنّهم جمعوا الماضي والحاضر، جمعوا الأمس واليوم، وجمعوا التقاليد والعصرنة و قاموا بمزج الريف بالويفي (الواي فاي). إنه حبّ مميّز متناغم منسجم تماما مثلهم، تمتزج به روح الشمس بروح القمر، فيولد إنسان واحد من رحم الحبّ. يا إلهي، يقولون إنهم بالحبّ إنسان واحد، فلماذا يأبهون للمسافات و قد قطعوا بحبّ كهذا أطول المحيطات؟ إنهم بالحب هذا شخص واحد، فلماذا يخافون العمر و هم بحب كهذا قد أسرفوا في الأخذ والعطاء؟

و أنا أغلق مقالي هذا طرق بابي رجل قديم، حبّه قديم و جرحه أقدم، شيخ لم يرشق النوافذ بالحصى و لم يكتب رسالة و لا قصّة، و لكنّه استرق السمع من أغاني عبد الحليم و فيروز و أم كلثوم فاستعصت حالته المسكين، لأنّ الحبّ في معجم من حوله عار و عاقبته النار وكان عليه أن يمارس النفاق و يصادق على جنّتهم دون حبّ، فكفن الحبّ و اشتكى على تلك الجنّة و لا زال يشكو كلّما اشتعلت أضواء الواي فاي في بيته، لا هو ممّن عاشوا حبّ الريف و لا ممّن شهدوا حبّ الويفي (الواي فاي).

 

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)