ardanlendeelitkufaruessvtr

الاحتواء بين الوطن و الإنسان

بقلم: حياة بن بادة

 

لست أدري أ في الوطن عطف الإنسان أم في الإنسان عطف الوطن، فكلاهما عند الاحتواء متشابهان. تغادر الوطن، فتشعر أنك اقتُطِعت من حضن شخص عزيز و تهجر شخصا عزيزا، فتشعر أنك قد هجِّرت من وطن و رميت ما وراء البحار، هناك في كاليدونيا الجديدة، تُعرِض عن جمالها الفتّان، تشكو الحنين مع الشيوخ و تناغي الماضي كالرضيع و تخشى على أحضانه من استيطان الأشخاص الضارة. تظلّ مثل الحطبة المقطوعة من شجرة تنفق العمر طافيا فوق المياه و ما من مردّ إلى الشجرة.

ليت شعري هل يحبّ العشاق أوطانهم كما يفعلون لبعضهم البعض، ليت شعري هل تتلحّفهم رعشة الحبّ للوطن و تتملكهم نزعة الجنون المستباح بشمّة نسيمه و ارتشاف ندى ترابه الفوّاح. ليت شعري هل يذوب المرء حبّا في الوطن أم يتحلّى الوطن بالإنسان حبّا؟.

لست أدري فكلانا عند الحبّ متشابهان و في الأمومة مشتبهان و بينك و بيني هل يعقل أن يكون الطين والتراب؟.

إنّنا يا وطني حين قرّرنا أن نعشق بعضنا لم نكن نختار، كنا فقط ننهار تحت رغوة السحاب، فتشكّلتُ أنثى أنا يا وطني منك و تمدّدتَ أنتَ ترفع ذراعي روحك من حولي لتحرسني من تحرش زمرة ترابية أخرى بدمي، فأخذت تمنحني، أخذت تطعمني، أخذت ترويني و ظلّ حضنك يدفّيني، نعم، كساني حضنك وستر عريّي و عريّ روحي و غطّى معطفك قدميّ الحافيتين، فكنت الحياة.

أيا وطني أنت الإنسان في تشكلاّتك و أنت التشكلّات في الإنسان، أيا وطني كيف لطفلة مثلي تشكلت بك و فيك أنت ألّا تعود من حيث أتت و قد لقّنتها تعويذة الحبّ مذ بدأت، و أمسكت يدها الصغيرة وسقتها إلى المدرسة، فعلّمتها أنّك المرسى و أنّها مثل الحمام الزاجل و مثل قارورة الزجاج البحرية لا بدّ وأن تعود إلى مرافئك و تحطّ لدى أصابعك.

أنتَ الإنسان يا وطني في غمرة طهره و علوّ همّته و عزة خاطره. أنتَ الإنسان في تناوبه على روحي وعقلي و حضني الفقير إليك.

من ذا يعصر العطف و الحبّ من الثاني. إنسان مثلي أنت يا وطني أم وطن مثلك أنا. لست أدري، لست أدري. ثرثارة أنا يا وطني كما الشوارع و الأحياء، كما الموسيقى التي تغرق الأرجاء، كما المطر، كما الزهر الأصفر، كما الجدران، كما أعراس الجيران، كما الحروب التي غزت البلدان، و كما

الاستيطان، كليل المشتاقين ثرثارة أنا. ثرثارة أنا كالأرق و كالعرق و كعطر فرنسي غادر منذ قرن باريس و لا زال عند العتبات يثرثر، كالدراويش يا وطني، و كأغاني فيروز الصباحية التي تفطر في مقهى بيروتي و تتعشّى في مذياع سيارة، ثرثارة أنا كالصباح الباسم، كالزوايا و أزياء المواسم، كنشرة الأخبار التي لا تكاد تخلو منك، خُلقَت لتزفّك، كالعصافير أنا و كالسعادة أنت لا أحد يفهمك، الكلّ يريدك و يريد منك، لا أحد يعطيك، و ربّما الآن قد أدركتُ أنّك أهديت نفسك و كلّ قطعة و كل شيء منك و كلّ فلذة من كبدك و كلّ قطرة حياة من روحك للإنسان، فأمسى بنكهتك حين اعتقدتَ أنه استحقّ أن يتحلّى بك. أيا وطني أ لم تقرأ القرآن؟ أ لم يخبروك أنّ الإنسان كان ظلوما جهولا؟ لماذا فعلت هذا يا وطني ؟ ما ذنبنا أن نقتلع منك مرّتين؟ ما ذنبنا أن نقتطع منك لنمسي حطبتين تسافران على الموج بعيدا عن الوطن الراحل، هناك خلف رسائل الزجاجات و الحمام الزاجل.

نضجتُ يا وطني، نضجت يوم أدركتُ حجم حبّك الذي أهرول بثقله إليك و أهرب به إليك، نضجت يا وطني بحجم الحب الذي يأخذني منك و إليك و يأخذني منك ليعيدني إليك، نضجت بحجم إقبالي عليك وإعراضي عن لياليك، نضجت يا وطني بقدر ثنائية الحياة و الموت التي أبصرتها في عينيك. نضجت يا وطني بقدر العشق الذي ارتشفته منك، نضجت يا وطني بقدر الشوق الذي لقّحت به رحم ذكرياتي و قلب مذكراتي، نضجت أنا يا وطني بقدر التاريخ. نعم يا وطني أنا لا زلت أذكر كيف بدأ تاريخنا و كيف توزعنا كالزهور على بعضنا و كالهواء على بعضنا و كالماء و الغذاء على بعضنا و كيف طيّنا الفجوات بيننا بنا، فكنّا لبعضنا، تماما كما بدأنا، يومها كنا اثنين، أحدنا يمارس هواية الأخذ و الآخر يمارس عادة العطاء، يومها كان أحدنا يعلّم و الآخر يتعلّم، يومها صرت أنا التاريخ يا وطني لكنني أيا وطني، أنا حين كنت أنا ما كنت يوما أدري أو أتصوّر أنّني تاريخ لا يتطور. و غدا، وحين يعيد التاريخ نفسه و أنا في انتظار قاطرة بشرية كلّفتها أنت مهمة الاحتواء بدلا عنك و بدلا عن عطف صباحك و سكون لياليك، سأعيد نفسي، نعم سأعيد نفسي و لكن إليك. سأشعل وقود منطادي عائدة بنفسي إليك، فحتى الحب صار في الإنسان الوطن إقطاعي، وحده الحبّ فيك لم يزل يراقصني و يراقص حريّتي و يأخذني من تحت ذراعي، وحده حبك و احتواؤك يا وطني سيكترث و يراعي حين ترصفني في خيام الشوق أوجاعي.

 

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الثلاثاء, 17 تشرين1/أكتوير 2017 01:17
حياة بن بادة

كاتبة من الجزائر