ardanlendeelitkufaruessvtr

حرباء العصر

بقلم ميموزا العراوي حزيران/يونيو 23, 2017 106

حرباء العصر
ميموزا العراوي
منذ بداية شهر رمضان الفضيل والحديث المتناقل عن برنامج “رامز تحت الأرض” لم يتوقف، تمت إدانته على دفعات إن من الجمهور أو من نقاد الشاشة الصغيرة، أما الاتهامات التي وجهت إليه ولا زالت توجه إليه فتعلقت أولا بالمبالغ المالية التي صرفت لأجل تحقيقه والتي تفوق التصور.
ثانيا لناحية أخلاقياته الهابطة التي لا تتوانى عن الإيقاع بأي شخصية فنية لأجل “تسلية” الجمهور، إضافة إلى التجاوزات التي حدثت منذ الحلقة الأولى من البرنامج والتي بحسب مصدر رسمي “تفوق كل الأعراف المجتمعية التي تحث على الحفاظ على القيم والأخلاق”.
أما السبب الثالث فيعود إلى تهمة سرقة فكرة البرنامج من المدعو هشام محمد الذي أعلن أنه قام بتسجيل برنامج “هشام في بحر الرمال” في حقوق المؤلف بالمجلس الأعلى للثقافة، قبل أن يعرض الفكرة على القناة، ثم فوجئ بأن القناة نفذت الفكرة بمسمى آخر وهو “رامز تحت الأرض” بهدف الابتعاد عن المساءلة القانونية.
أما السبب الأخير والأهم، لأنه يتضمن ما ذكر آنفا، وأكثر، إذ يفصح الكثير عن حال العصر الذي نعيش فيه، هو أن البرنامح وبحسب أكثر من جهة، مُفبرك وأن معظم الممثلين المشاركين، إن لم يكن كلهم، منخرطون بادعاء أنهم لا يعلمون بأنهم “ضحايا” رامز.
هكذا اكتمل المشهد العام: برنامج في الشهر الفضيل، وضده قضية سرقة، يخدع فيه رامز الممثلين العالمين بأمر الخديعة أمام جمهور يعرف أمر الخديعة ويستمر في مشاهدته، ليس هذا فحسب، إذ أن المشاهدين دخلوا في لعبة البحث عن أدلة الكذب من خلال مراقبة ردود أفعال الممثلين، لعبة هي من ضمن لعبة أكبر: لعبة الإيقاع المزيفة بضحايا مزيفين.
الكل يعرف أن الكل يكذب ويستمر في التماهي مع الواقع الزائف تحت شعار الترفيه والتسلية، المفارقة تكمن في أنه ربما لم يسبق العثور على برنامج تلفزيوني كهذا البرنامج يحمل سمات عصره الغارق في الكذب بهذا الكمّ الفائض من “الصدق”.. هنا تماما تكمن براعة البرنامج وقيمته الفنية.
يؤمن هذا البرنامج، من حيث لا يدري، بأن التعبير المباشر عن منطق جديد وتعريف جديد لمعنى الكذب أو التكاذب، منطق يشير إلى أنه ما من أحد لا يستطيع الكذب، أما التظاهر أو الإدعاء فهو حرفة فنية تتطلب الكثير من التفكير والعمل.
لعل هذه الحرفة هي ذاتها التي أمّنت للكثير من النقاد العالميين لفنون التشكيل والتجهيز المعاصر بطاقة الهروب من تهمة الزيف، ومكنتهم من إضفاء قيمة على العديد من الأعمال “الفنية” البالية لمجرد أنها فاضحة أو خارجة عن المألوف، ومن ثمة إقناع الجمهور بأن ما يرونه هو فن “حقيقي”.
هكذا أصبح “المُبتكر”، مهما ضعفت التقنية الفنية المُستخدمة لتحقيقه، أو مهما انعدم وجود فكرة صامدة تغذيه، ليقف متميزا بوجه الفراغ، يستحق الاهتمام، لا بل يستحق اعتباره فنا فذّا ومتألقا بمعاصرته.
جزء كبير من الفن المعاصر عار من أي مصداقية، وغالبا ما يرتكز على تقويض أخلاقيات مجتمعه وإرساء الصدمة لأجل لفت النظر إليه، مثله كمثل رجل يقرر أن يسير عاريا في الشارع وعلى رأسه شاشة كومبيوتر، مثله كمثل برنامج تلفزيوني سخّر لفن التكاذب على الساحة واللاعبين والجمهور الغفير.
لا يحتاج برنامج “رامز تحت الأرض” إلى من يدافع عنه، فهو يحمل صدق أمانته وواقعيته في خامته، إنه يقدم للناس ليس “الحقيقة”، بل يقدم الواقع، وشتان بين الاثنين.
لذلك، لتُرفع كلّ التهم عنه، ولتمارس “حرباء” رامز البلاستيكية مسيرتها في التماهي مع بشاعات عصرها، ولتستنفد ذاتها على مذبح الترفيه مهما كان الثمن.
ما نتمناه هو أن يتواصل عرض هذا البرنامج لمواسم رمضان القادمة ليظل خير شاهد على أن الفن بشكل عام وفن الترفيه بشكل خاص هو وليد عصره، نتمنى ذلك إلى أن يجيء يوم، هذا إن جاء، تصبح فيه الحقيقة هي ذاتها الواقع ومن كل بدّ.






سراب/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)