ardanlendeelitkufaruessvtr

طائر من ضوء

بقلم ميموزا العراوي تموز/يوليو 07, 2017 607

طائر من ضوء
ميموزا العراوي
“هورور فاكيو”، هو تعبير غربي ارتبط باسم الناقد الفني الإيطالي ماريو براز الذي استخدمه ليصف فن التصميم الداخلي المنتمي إلى العصر الفيكتوري الذي يجسد بفضائه الغارق بالتفاصيل، الخوف من المساحات الفارغة، وإذا كان ثمة فن يناقضه في طبيعته، فهو الفن “المينيمالي” الذي يعتمد التقشف في استخدام عناصر التشكيل والتصميم دون أن يكون في ذلك مرادفا للفن التجريدي.
ومع ذلك، عُمّم هذا التعبير على العديد من المظاهر الفنية، فعلى سبيل المثال ينطبق هذا التعبير على لوحات الطبيعة الصامتة التي تحتشد فيها الأواني والفاكهة والأزهار والطرائد على أنواعها لتدل على معان إيجابية متمثلة بالوفرة وسهولة الحصول على أشياء العالم الأكثر جمالا وثمنا.
أما اليوم، فقط اختلفت المعايير، الزمن الآن يغرق بكثرة البضائع الاستهلاكية والصور والمعلومات والمشاهد والأصوات المتضاربة، التي في كل لحظة، يمكن لها أن تتحول إلى أكاذيب أو أوهام مُختلقة تهدف أحيانا قليلة إلى تخفيف الألم البشري وأحيانا أكثر إلى تشويه الحقائق لصالح طرف من الأطراف.
اليوم، كلما قلت التفاصيل في أي عمل بات أكثر جاذبية وجمالا وقدرة على تقديم الصدق القاطع في خضم الالتباسات البصرية والسمعية.
من هذا المنطلق تسعى الكثير من تصاميم الأماكن الداخلية والإعلانات التجارية والأعمال الفنية إلى بناء منطق تبسيطي واختزالي لكي تؤمن لذاتها فرصة العوم، فالظهور على سطح بحر يختنق بكم هائل وغير مسبوق من الأشياء المادية والأثيرية على حد السواء.
ينطبق المنطق نفسه على فن التصوير الفوتوغرافي المينيمالي المعاصر، حيث يبرز السعي إلى التقشف في استخدام الألوان والأشكال والخطوط في خدمة التركيز على عناصر بصرية قليلة جدا، وقد قدم الكثير من المصورين الفوتوغرافيين أروع الصور الفوتوغرافية وأكثرها نفاذا إلى نقاء الأشياء وأمور الحياة بعيدا عن ضوضاء العاطفة وضجيج الوفرة غير المتجانسة في الشكل وفي القيمة.
انسحب منطق الـ”هورور فاكيو” على الفن الشرقي بشكل عام والإسلامي بشكل خاص، وقيل في أكثر من دراسة إن الفن الإسلامي عمد إلى تغطية جميع السطوح بالزخارف خوفا من الفراغ، لكن في هذا الكلام الكثير من سوء التقدير، فالذي ينطبق على الفن الغربي لا ينطبق بالضرورة على الفن الشرقي.
لا ينظر الفن الإسلامي العريق ولا الفن الشرق أوسطي المعاصر، الذي ينحى إلى استخدام مفردات شرقية المنشأ، إلى الفراغ على أنه قيمة حقيقية، في منظار الفن المشرقي، مهما اختلفت أساليبه الفنية، الفراغ ليس موجودا، إنه مسكون بذرات الضوء والغبار والأصوات والتيارات الكونية وإشارات إلى عالم الغيب.
وحتى إن غاب عن بعض الفنانين الشرق أوسطيين المعاصرين، هذا التفكّر بالوجود وبحضور الخالق عزّ وجلّ في كل ذرة من ذرات هذا الكون، تبقى تلك “اللفحة” المشرقية/الصوفية حاضرة.
عمد ويعمد العديد من الفنانين العرب المعاصرين، شعوريا أو لاشعوريا، إلى شغل خلفيات لوحاتهم المينيمالية المزاج وأعمالهم الديجيتالية الأكثر اختزالا بـ”بينات” بصرية غزيرة ودقيقة تغيّب الفراغ.
وإذا كان الفن الغربي المقرون بالـ”هورور فاكيو” يتمثل جليا بحشد مساحة الأعمال الفنية بمخلوقات “مُصعلكة” وأشياء رثة من هذا العالم حد الاختناق، كما في تصميمات الزمن الفيكتوري أو في لوحات الفنانين بروغل وبوش، فإن الحشد له طعم آخر في لوحات الفنانين الشرقيين، له طعم الومض وطعم الإشارات والإيحاءات والجزيئات السابحة في المساحات المفتوحة على “الفراغ”.
ليس الخوف من الفراغ ما حرّك ويحرّك هؤلاء الفنانين، إنما الرغبة الخفية في “تذويب” كل شكل أو حجم ليس أساسيا في العمل الفني وتحطيم أوزانه إلى دقائق مجهرية، فإعطاؤها خفة طائر خاطف وأثيري مُشبع بالضوء يكنز في فضاء الأعمال جيناته الوراثية.








sarab/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)