ardanlendeelitkufaruessvtr

الألقاب تعرّفنا أم نعرّفها

بقلم يمينة حمدي تموز/يوليو 28, 2017 519

الألقاب تعرّفنا أم نعرّفها
يمينة حمدي
ذكّرتني حادثة كنت شاهدة عليها بأحد المستشفيات الحكومية في تونس عندما اصطحبت والدتي في أحد الأيام للعلاج، ببيت شهير لأحد الشعراء المنسيين “ملأى السنابل تنحني بتواضعٍ/ والفارغات رؤوسهن شوامخُ”، وأستحضره لأنني أجده ينطبق على ما بدر من موظفة في ذلك المستشفى، عندما نادتها مريضة مسنة باسمها الأول الذي سمعته من أحد زملائها من دون أن تسبقه بكلمة “سيدتي” أو “مدام”، أو ربما هي في نفسها شيء آخر من الألقاب التي تفضل أن تناديها بها المريضة لتقر عينها وتساعدها في العثور على ملفها الضائع.
ثارت ثائرة الموظفة، وأشبعت المريضة شتما وطالبت جميع المرضى صراحة وبصوت عال أن يراعوا مقامهم ومقامها ولا ينادوها حرفيا باسمها الأول. وتكرر الأمر مع أمي التي لم تناد الطبيبة المشرفة على علاجها بـ”دكتورة” بل بـ”ابنتي”، وخفت أن تقيم الطبيبة الطامة الكبرى، غير أن ردة فعلها كانت مختلفة تماما عما بدر من الموظفة، لقد استقبلت الطبيبة الكلمة بابتسامة عريضة، وربتت على كتفي أمي وطمأنتها على صحتها، ولم تبد أي تذمّر ينمّ عن رغبتها في أن تخلع عليها أمي لقب “دكتورة".
لم أتعجب من الحادثتين لكثرة ما تواتر علي مثلهما في حياتي، فالبعض من الناس، وخاصة في مجتمعاتنا العربية لا يتقبلون فكرة أن يتم تجريدهم من ألقابهم لأي سبب من الأسباب، ويفعلون المستحيل من أجل أن يضفي عليهم غيرهم لقبا يرضي غرورهم، فيما لا يهتم البعض الآخر لمثل هذا الأمر، وقد يرحبون أحيانا بفكرة الاكتفاء بمناداتهم بأسمائهم فقط، حتى وإن كانوا من أهل العلم ومن أصحاب المقامات الرفيعة.
ولا أقصد هنا الألقاب العائلية، بل الألقاب التفخيمية التي تكتسب إما من شهاداتهم العلمية والمناصب السياسية العليا، وإما تورّث من أصحاب الجاه والسلطة، وقد يلجأ الكثيرون إلى تلفيقها لأنفسهم رغبة في الاستعلاء والتفاخر الفارغ.
فأحيانا نقابل في حياتنا البعض من الشخصيات ممن يعرفون أنفسهم باللقب العلمي أو السلطوي قبل الاسم، فنفتن بهم لسماعنا صدى ذلك اللقب، ولكن سرعان ما يتلاشى بريق ذلك تدريجيا، كلما اتضحت بشكل أكبر طبيعة سلوكهم المتفاخر وتعرفنا على شخصياتهم المهتزة عن كثب.
ويأتي إصرار البعض على ذكر ألقابهم في إطار سعيهم الدؤوب إلى التأكيد على قيمتهم بالنسبة للآخرين، ويفعلون ذلك كنوع من الإشباع للإحساس الداخلي الذي يتملكهم بأنهم أفضل من غيرهم.
وأغلب هؤلاء الأشخاص يعانون من فقدان الثقة في النفس، ولديهم شكوك عميقة الجذور في قدراتهم، ومثل هذا الأمر يتوارى خلف ألقابهم التي لا يتقبّلون فكرة تجريدهم منها ولا بأيّ شكل من الأشكال.
يقول أبوالطيب المتنبي في إحدى قصائده “لا بقَوْمي شرُفتُ بل شَرُفُوا بي/ وَبنَفْسِي فَخَرتُ لا بجدودي”، وهو محق إلى حد ما، فالمفروض أن يعتز المرء بمكارم أخلاقه وصفاته الحميدة وبثقافته وعلمه، لا بلقبه الذي ورثه أو أسبغ عليه من دون أن يكون في بعض الأحيان جديرا به.
الألقاب لا تهذّب سلوك غير المهذّبين ولا تجعل الأنانيين محبين، ولا تحوّل المجرمين إلى مسالمين، ولا تحسن صورة عديمي الضمير حتى لو اكتسب هؤلاء بدل اللقب المئات من الألقاب الرنانة.
وقبل أن أنهي ساذكّر المتباهين والمتنابزين بالألقاب على حد سواء، أن الناس يموتون سواسية، فلا أحد منهم سيحمل معه لقبه العائلي أو العلمي أو السلطوي ليشفع له عند ربه.
صحافية تونسية مقيمة في لندن







سراب/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It