ardanlendeelitkufaruessvtr

الاستغناء عن سفير العقل

بقلم يمينة حمدي أيلول/سبتمبر 14, 2017 687

الاستغناء عن سفير العقل
يمينة حمدي
“فكّر على الورق، لأن من يفكر على الورق يمسك القلم وينجح أكثر من غيره”، مقولة شهيرة لطالما رددها معظم أساتذتنا على مسامعنا، غير أن صدى هذه المقولة لم يعد يتردد كثيرا داخل فصول المؤسسات التعليمية، في عصر أصبحت فيه الأجهزة الذكية جزءا لا يتجزأ من العملية التعليمية.
وليس هذا بالأمر السيء، فجميع الأجهزة الرقمية وجدت في حياتنا لتبقى، نظرا لما تنطوي عليه من إمكانيات من شأنها أن تجعل التعليم أفضل، وفي نواحٍ كثيرة.
والأجهزة اللوحية وسائل مفيدة جدا في عملية التعلم، فبإمكانها أن تساعد التلاميذ والطلبة على النجاح والتفوق وتثري معارفهم ومعلوماتهم في العديد من المجالات، متى تم استخدامها لأغراض محددة، ولكن لا يجب التعويل عليها في كل الأوقات أو استخدامها كبديل عن أعظم اختراع في تاريخ البشرية.
إنه “القلم سفير العقل، ورسوله الأنبل، وترجمانه الأفضل” كما وصفه العالم أبو بكر بن أبي داود، وهو محق في ذلك، فلولا القلم لما عرف البشر العلوم ولا الهندسة ولا التكنولوجيا ولا الكتابة، فبفضل القلم خرجت أمهات أفكار البشر إلى النور.
وقد أثبتت العديد من الأبحاث أن الكتابة على الورق وتدوين المعلومات بخط اليد وخاصة في المحاضرات يقويان الذاكرة ويساعدان على رفع مستوى الفهم والإدراك ويعملان على تثبيت المعلومات، بيد أن الاعتماد على الكمبيوتر والأجهزة الذكية سيكون حتما ميزانا دقيقا بين مجموعة من المخاطر والفوائد.
وقد تكون فوائد تلك الأجهزة الرقمية مهمة وتجعل الطلبة أسعد وأكثر قدرة على التحكم في التكنولوجيا وتدوين المعلومات والمعارف بجهد أقل وفي أوقات وجيزة، ولكن ربما عليهم أيضا القبول بأن استخدامهم المكثف للوحة مفاتيح الكمبيوتر بدلا من القلم سيفقدهم القدرة على التفكير وتدريب قدراتهم الذهنية، وهذا في حد ذاته وصفة لانحسار الذكاء وقتل الإبداع.
ولكن يبدو أن القلم قد انتهى زمانه وخط اليد لم يعد فنا كما كان من قبل، ولم يعد الكثيرون اليوم يعيرونه اهتماما وأصبحت رداءة الخط سمة مشتركة بين أغلب التلاميذ والطلبة، ولعل هذا ما دفع جامعة كمبريدج أعرق الجامعات البريطانية إلى اتخاذ إجراء يقضي بالتخلي عن الكتابة بخط اليد في الامتحانات، والسماح باستعمال الأجهزة الإلكترونية.
ولكن استراتيجية التعليم الرقمي التي تدرسها العديد من الجامعات في دول العالم، لن تقضي فقط بزوال عهد الورق والقلم إلى غير رجعة، بل ستفقد الأجيال الكثير من القدرات والمهارات الذهنية التي اكتسبوها من أجدادهم.
وقد اعتبرت الأستاذة كلير كليفاز، العضو في مختبر الثقافات والعلوم الإنسانية الرقمية في جامعة لوزان، أن اختفاء القلم قد يمثل صدمة حضارية، وتحولا لا يقل أهمية عن التحول الذي أحدثه اختراع الطباعة عام 1455، مشددة على أن عدم الكتابة بخط اليد سيحرم الأجيال من متعة التواصل بين الجسد والورق.
القلم ليس مجرد أداة بدائية للكتابة نبكي على زمنها الذي أفل لأننا ما زلنا عالقين بالماضي وأدواته العتيقة، بل لأن القلم شكل قدرتنا على التفكير في المعلومات العلمية، والتركيز وترسيخ المعلومات في ذاكرتنا، وهو الوسيلة الرومانسية التي تساعد الناس على إطلاق العنان للأفكار الدفينة، والتعبير عن المشاعر المكنونة في نفوسهم.
“لقد ضاعت أفكار تساوي ملايين الدولارات بسبب عدم وجود عقب قلم رصاص وقصاصة من الورق” كما عبر خبير الإعلانات أليكس أوزبورن بفصاحة بليغة.
صحافية تونسية مقيمة في لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It