ardanlendeelitkufaruessvtr

المصالحة الوطنية.. حماية الدولة أم حماية النظام؟!

 
نتساءل مع كل مناسبة تذكرنا بأقراحنا وأوجاعنا المدمية للعين قبل الجارحة عن جدوى ما طوقوا به أعناقنا على أنه الحل تحت مسمى المصالحة الوطنية، إلا أن واقع الحال يقول أن المصالحة الوطنية حملت بذور وجينات فشلها في ذاتها كمشروع سياسي كان ولازال الغرض الفعلي منه ليس حماية الدولة ككيان ووحدة سياسية أول انشغالات صناع قرارها هو البقاء والاستمرار، لم يكن يوما غرض من استنجدوا بالمصالحة هو مصلحة الدولة وشعبها قط، فالمحلل للأحداث بعين الحيادية والموضوعية سيدرك لا محالة أنها كانت طوق نجاة للنظام، وبفضلها صار يتحكم بخيوط اللعبة السياسية كلاعب أوحد في الساحة بلا أي منافس مراوغا تارة ومساوما تارة أخرى، فانصب جل اهتمام هذا النظام على الإبقاء والمحافظة على خيوط اللعبة بين راحتيه.
لنكن صريحين ونضع نقاطنا المبعثرة على حروفها ليستقيم الكلم بلا مزايدات، ولنقل أن أنصاف الأشياء لا تعبر عن حقيقتها الكاملة، ولنقل أيضا أن مشروع المصالحة في طابعه السياسي والأمني قبل الاجتماعي جاء إما مجتزءا لغايات مدروسة سلفا من أهل الحل والعقد فولد بعاهاته التي ألفناها، أو أن إعاقته هي وليدة سوء التخطيط والتسيير كبقية مشاريعنا المعتادة! وهنا بالذات وجب الحديث عن حقيقة المصالحة المطلوبة والتي يكون عنوانها المصالحة مع الذات كمفهوم حقيقي للخروج من النفق المظلم، مصالحة يكون طرفاها كل من النظام السياسي بمصلحيه مجرميه من جهة، والشعب بضحاياه ومجرميه من جهة أخرى، ولن يكون لها معنى إلا بقول الحقيقة فلا يستثنى من ذلك أحد، ولعل ما يحضرني هنا كمثال في معرض حديثي هو التجربة الجنوب أفريقية فيما عرف ب《لجنة المصالحة والحقيقة》.

 

لقد كذب النظام حينما أوهم الشعب بالمصالحة الوطنية، لأن المصالحة لا تكون بشراء الذمم والإغراءات وإسكات من فقدوا فلذات أكبادهم وذويهم بغير ذنب وفي ظروف غامضة، ولا بعودة التائبين وإدماجهم في الحياة الاجتماعية والسياسية، ذلك حتى نتيقن كمجتمع متخلف وشعب فاشل أننا أخطأنا وانحرفنا في خياراتنا التي كانت مبنية على عدم نضج الثقافة السياسية المخلوطة مع الجهل الديني الممنهج بامتياز، ما من شأنه أن فرخ لنا واقعا من صنع أيدينا أشربنا العلقم مبكرا مقارنة مع بقية الأشقاء العرب. كان يمكن أن نصل إلى مخرج النفق لو أن هدف هذه المصالحة كان فعلا هو حماية الدولة وليس نظاما يهوى التحكم بزمام كل شيء على تراب هذا الوطن، ثم يكذب ويوهم شعبه بمصالحة فاشلة من الأساس، ومنه علينا كنظام وكشعب أم نختار إما الصفح والمصالحة أو المحاسبة والعقاب دون استثناء لأي جهة كانت، لكن بعد أن يعرف الجميع الحقيقة كاملة، تلك الحقيقة التي تقال فوق الطاولة وليس تحتها بملفات المساومة هنا وهناك، بملء الشفاه وليس غمزا ولمزا، ومن حيثيات عدم نضج هذا الشعب سياسيا أنه صوت على مصالحة وهمية لا يعرف حيثياتها ومضامينها الحقيقية، فكانت هذه أولى بذور فشلها المرتكزة على التغليط والخداع، فنحن أمام نظام يرى وصايته الكاملة على شعبه القاصر، ولا يعترف له بأي حق في معرفة ولو جزء من حقيقة ماضيه الثوري مثلا بجميع نضالاته وخياناته في معترك افتكاكه استقلاله السياسي، ولن يرضى بذلك وهو يواجه أزمة بقاء حقيقية تطالبه بالكشف عن ملفات تهم حاضره ومستقبله، وهذا ما يطلق عليه بالمصالحة مع الديمقراطية التي لازالت أنظمة سياسية من على شاكلة نظامنا ترى فيها عباءة أكبر من مقاس هذا الشعب القاصر إدراكيا عن مزاولتها بالشكل الذي يضمن الاستقرار والأمن الذين ينشدهما النظام ما كتب له البقاء،؛ ففتح المجال للعمل السياسي والجمعوي الحر وترقية منظمات المجتمع المدني... كلها تعتبر كديمقراطية الواجهة تخدم الحكام الفعليين المشكلين لبنية النظام السياسي القائم على حكم برجوازية الدولة بجميع أطياف مافيا المال والعسكر المحشور بينهما طاقم أوباش رجال الساسة وطاقمهم، وكل ديمقراطية لا تخدم هذه البرجوازية المعقدة سيلفظها النظام لا محالة.

 

لا أحد ينكر بتاتا على النظام السياسي هدفه للبقاء، لكن أن ينشد بقاءه على أشلاء هذا الشعب -تحت طائلة ما يعرف بجريمة الدولة- الذي لن أقر له لا بصفة الضحية والبراءة كاملة ولا بصفة الفشل وعدم النضج كاملة، فإن هذا البقاء والاستمرار المليء بالتزوير إنما هو إطالة في عمر المريض الذي لم يستطع لحد الآن أن يرتكز على مؤسسات حقيقية تضمن عدم تعثره مجددا، خاصة وأن السنوات العجاف قد أقبلت وأقبل معها الحديث الجاد عن جدوى الدستور كضامن في ظل انتهاك قوانينه، وعن جدوى العمل الحزبي كخيار حر وما قدمه رجالاته من برامج ناجعة، وعن جدوى البرلمان كممثل للشعب ومراقب للحكومة وهو يشرع لصالح عمل الحكومة التي تنهش الشعب عيانا..

 

كيف نتحدث عن مصالحة مع شعب مهزوز الثقة بدولته ومؤسساتها، هذا الشعب ذاته الذي انحرف هو الآخر عن مبادئه وقيمه بسبب نظام أسس بشكل احترافي لعقلية 《أنا ومن بعدي الطوفان》وهي عقلية أول العاملين بها هم من يتصدرون المشهد السياسي حاليا، بحكم أن هذا السياسي أو ذاك الحاكم إنما هو وليد شعبه الذي سيقتاده ربانا يركب به موج الطوفان القادم الذي سيجرف الجميع حين لا ينفع هنالك جبل يعتصم به.
قيم الموضوع
(1 تصويت)
آخر تعديل على الجمعة, 06 تشرين1/أكتوير 2017 02:20