ardanlendeelitkufaruessvtr

الانقلاب الناعم في ظل عاصفة "الفساد"

هز ولي العهد محمد بن سلمان أركان البيت السعودي في جميع الاتجاهات. في الاقتصاد والسياسة والدين والجيش  والمجتمع تصدم قراراته المتسارعة المجتمع السعودي المحافظ ونخبه، وجاءت القرارات الأخيرة التي عرفت بـ"مذبحة الأمراء" في سياق إجراءات سابقة تقرب ولي العهد أكثر من العرش
فقد أكدت وسائل إعلام سعودية أن لجنة مكافحة الفساد -التي تم تشكيلها بأمر ملكي ويرأسها محمد بن سلمان ولي العهد- قد أمرت باعتقال 11 أميرا وأربعة وزراء حاليين وعشرات الوزراء السابقين ورجال دين بارزين وامبراطوريات المال - وأفادت مصادر بأن عددا من فنادق العاصمة السعودية الرياض تحول إلى سجون لعشرات الأمراء والمسؤولين المعتقلين، وركزت الأنباء على فندق ريتز كارلتون قرب الرياض، حيث بدا الفندق الفخم مغلقا أمام الزبائن أمس الأحد، وأشار موقعه على الإنترنت إلى أنه محجوز بالكامل.-وتزامنت هذه التوقيفات مع صدور أوامر ملكية بإقالة وزير الحرس الوطني الأمير متعب بن عبد الله من منصبه- ووسط زحمة الأنباء حول الأمراء السعوديين المعتقلين ومصيرهم، ورد نبأ مصرع الأمير منصور بن مقرن نائب أمير منطقة عسير وعدد من المسؤولين إثر سقوط مروحيتهم خلال جولة في منطقة قرب ساحل عسير المجاورة لليمن، وقالت المصادر إن من بين القتلى وكيل الإمارة سلمان الجريش، وأمين المنطقة صالح القاضي.
وقال مصدر سعودي رسمي لوكالة رويترز إن الاتهامات الموجهة لعشرات الأمراء والمسؤولين ورجال الأعمال المعتقلين تشمل الرشوة والاختلاس وغسل الأموال واستغلال النفوذ. وفي وقت سابق، قالت وزارة الإعلام السعودية إن السلطات ستضع الأموال المرتبطة بقضايا فساد في الخزينة العامة. ففي إطار الحملة المعلنة على الفساد بقيادة ابن سلمان، وجهت اتهامات للأمراء المعتقلين بالاختلاس واستغلال النفوذ، في حين عبرت منظمات حقوقية عن مخاوفها من أن تكون الحملة مجرد غطاء للتخلص من الخصوم، وأفادت مصادر باحتجاز الأمراء والمسؤولين المعتقلين في عدد من فنادق الرياض، وفي غمرة هذه الأحداث فوجئ المتابعون بنبأ مصرع الأمير منصور بن مقرن إثر سقوط مروحية كانت تقله.
وكان الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز أصدر أمراً قضى بإعفاء الأمير متعب بن عبد الله بن عبد العزيز من منصبه كوزير للحرس الوطني السعودي، وبموجب الأمر الملكي، فقد تم تعيين خالد بن عبد العزيز بن عيّاف وزيراً للحرس الوطني خلفا له-وأعلن الأمر الملكي أيضاً إنهاء خدمة قائد القوات البحرية عبد الله السلطان وإحالته للتقاعد، وتعييد الفريق الركن فهد الغفيلي قائداً لهذه القوات، بالإضافة إلى إعفاء وزير الاقتصاد والتخطيط عادل فقيه من منصبه وتعيين محمد التويجري بدلاً منه---كما امر بإنهاء خدمة الفريق الركن عبدالله بن سلطان بن محمد السلطان، قائد القوات البحرية وإحالته إلى التقاعد، وأمر العاهل السعودي بترقية اللواء البحري الركن فهد بن عبدالله الغفيلي إلى رتبة فريق ركن، وتعيينه قائداً للقوات البحرية، وقضى أمر ملكي اخر “بإعفاء وزير الاقتصاد والتخطيط عادل فقيه من منصبه وتعيين محمد التويجري وزيرًا للاقتصاد والتخطيط
وكانت القرارات بتوقيف الأمراء والمسؤولين السعوديين البارزين، قد صدرت ليلة الرابع من تشرين الثاني نوفمبر، بعد ساعات من تشكيل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، لجنة لمكافحة الفساد أسند رئاستها إلى نجله ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، ويبدو عدد الموقوفين بأمر تلك اللجنة، في تزايد مستمر منذ ذلك الوقت، في حين لا يستبعد مراقبون للشأن السعودي، أن تنضم أسماء أخرى للقائمة خلال الأيام القادمة. 
وتشير وسائل الإعلام السعودية إلى أن من بين كبار الشخصيات التي تم توقيفها، الأمير متعب بن عبد الله وزير الحرس الوطني، نجل العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز، والذي أقيل في وقت سابق لتوقيفه ويواجه تهما بالفساد في صفقات السلاح، وأخيه الأمير تركي بن عبد الله، أمير الرياض السابق وذلك بتهمة الفساد في مشروع "قطار الرياض--".ومن بين أسماء الموقوفين أيضا الأمير والملياردير السعودي المعروف، الوليد بن طلال ويواجه تهما بغسيل الأموال، والأمير فهد بن عبد الله بن محمد، نائب قائد القوات الجوية الأسبق والمفاوض الرئيسي في صفقة اليمامة العسكرية مع بريطانيا- كما تضم القائمة أيضا كلا من رئيس مجموعة ورئيس ومؤسس البنك الإسلامي صالح كامل واثنين من أبنائه بتهم فساد، ورئيس الديوان الملكي السابق خالد التويجري ووزير الاقتصاد والتخطيط المقال عادل فقيه، ووزير المالية السابق إبراهيم العساف، وخالد الملحم رئيس الخطوط السعودية السابق، وسعود الدويش رئيس مجلس إدارة شركة الاتصالات السعودية 
             الخيوط الامريكية--وارامكو خيوط العنكبوت
ونقلت صحيفة لوموند عن عضو معهد بيكر للسياسة العامة في جامعة رايس (تكساس) كريستيان أولريكسن قوله تعليقا على هذا الإجراء: "يبدو أن نطاق ومدى هذه الاعتقالات لم يسبق له مثيل في تاريخ المملكة العربية السعودية الحديث. وإذا تأكد اعتقال الأمير الوليد بن طلال، فإن من شأن ذلك أن يسبب موجة من الصدمات على المستوى الداخلي وكذلك في عالم المال على المستوى الدولي"-ويمكن فهم موجة الاعتقالات والإقالات الجارية في السعودية ضمن السياق العام الذي أطلقه محمد بن سلمان منذ توليه ولاية العهد وضمن نفسه كإصلاحي يقترب من درجة "الثورية"، ويطرح رؤيته لعام 2030 ويمحور كل الدولة حول شخصه، عبر الإمساك بكل خيوط  السلطة والدولة
وفي ذلك يقدم نفسه للولايات المتحدة والغرب بشكل عام على اعتبار أنه رجل التحول الكبير في السعودية، ويسعى إلى تحديث المجتمع السعودي، وإعادة تشكيل النظام السياسي عبر تقليص سيطرة المؤسسة الدينية على الدولة أو نزعها والتحول بالمملكة إلى نموذج مختلف تحت قيادته- وخاصة  أن محمد بن سلمان وعد في نهاية /تشرين الأول الماضي بتحويل السعودية إلى بلد "معتدل"، وتحطيم صورة هذا البلد النمطية بوصفه "مُصدِّر الوهابية"، التي تعتبر -حسب هذه الصحف- مغذي العديد من الحركات الجهادية عبر العالم.-كما أطلق ولي العهد الشاب العديد من مشاريع الإصلاح، شملت السماح للمرأة بقيادة السيارات ودخول قاعات السينما، الأمر الذي مثل أعظم اضطراب ثقافي واقتصادي في التاريخ الحديث للمملكة، وكان بمثابة تهميش لرجال الدين المحافظين-في الوقت نفسه، عمل بن سلمان، حسب لوموند، على تعزيز قبضته السياسية على السلطة، وأقدم في هذا الإطار، على موجة من الاعتقالات طالت العديد من المثقفين وعلماء الدين-ويبدو، حسب لوموند، أن ولي العهد يسعى إلى القضاء على الخلافات الداخلية قبل أي نقل رسمي للسلطة إليه من قبل والده الملك سلمان، البالغ من العمر 81 سنة.
ويتماهى مشروع بن سلمان على الصعيد الخارجي أيضا مع مطالب الولايات المتحدة، فهو يطرح نفسه كعدو لإيران وحائط صد لمشروعها، ولا يرى مانعا من إدماج إسرائيل في المنطقة سياسيا واقتصاديا-وهذا التماهي مع المشروع الأميركي والترتيبات التي تهيأ  للمنطقة، تتطلب أولا تلك الخطوات السريعة التي  يقوم بها بن سلمان على الصعيد الداخلي والضربات الخاطفة التي يوجهها لخصومه للاستيلاء على الدولة وتثبيت رؤيته للنظام السياسي-- غير أن  لدى الأميركيين -كما لدى السعوديين أنفسهم- شكوكا في وصول رؤية بن سلمان بشكلها الحالي وبأدواتهاالحالية إلى بر الأمان، حيث تخشى واشنطن "حدوث اضطرابات وفوضي وانهيار في بنية المملكة- بحسب موقع شبكة  "أن بي سي نيوز" الأميركية
وكان بانون - المستشار المقال من إدارة ترمب - -قد ذكر في مؤتمر استضافه معهد هدسون للدراسات بواشنطن- إن من بين التغيرات اعتقال عدد كبير من علماء الدين السعوديين نتيجة للقمة التي حضرها ترمب في مايو/أيار الماضي بمشاركة عشرات الدول الإسلامية-- واضاف"أعتقد أن القمة كانت مهمة للغاية وكانت مهمة للعالم الإسلامي والعربي، وكان من المهم إبراز أن الولايات المتحدة منخرطة بالكامل وأن القمة ليست مجرد تصريحات منمقة بل ستنجم عنها إجراءات"-ولعل منح المرأة حق قيادة السيارة، وتقليص نفوذ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعادة تشكيل "هيئة كبار العلماء" واعتقال عدد كبير من علماء الدين والشيوخ، والانفتاح على الفنون في مجتمع تحكمه النزعة الدينية، وإعلان مشروع "نيوم" وقبله "مشروع البحر الأحمر"، تأتي كلها في سياق تقديم أوراق اعتماده لدى الغرب، كرجل "علماني مستنير".
وتعد إزاحة متعب بن عبد الله بن عبد العزيز تتمة لما بدأ قبل أشهر، حيث أُقصي من ولاية العهد في يونيو/حزيران 2017 ووضِع تحت الإقامة الجبرية، وتولى محمد بن سلمان المنصب. وأشارت تسريبات إلى أن اعتقال  الملياردير الوليد بن طلال جاءت على خلفية مطالبته بإطلاق سراح محمد بن نايف، وأنه هدد بسحب أمواله واستثماراته من السعودية- وتشير صحيفة "لوموند" الفرنسية إلى أن اعتقال العدد الكبير من الأمراء، وخاصة الأمير الوليد بن طلال، من شأنه أن يسبب موجة من الصدمات على المستوى الداخلي، وكذلك في عالم المال على المستوى الدولي وفق تقديرها
لكن الحملة المفاجئة التي يقف على رأسها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أثارت المزيد من التساؤلات بجانب ما أثارته من صدمه، ورغم أن هناك العديد من مؤيدي ولي العهد السعودي الشاب، يرون أنه عازم بالفعل على مواجهة الفساد في الدولة السعودية مهما كلفه الأمر، فإن هناك الكثير من المتشككين في المسار الذي تسلكه مؤسسة الحكم السعودية برمته، وهم يطرحون تساؤلات عديدة من قبيل لماذا الآن؟ وهل هؤلاء الذين تم توقيفهم في السعودية هم الفاسدون الوحيدون؟ وألم تكن السلطات السعودية تعرف بنشاط هؤلاء الأشخاص على مدى السنوات الطويلة الماضية؟ 
ويرى هؤلاء المتشككون في المسار السياسي للمملكة العربية السعودية حاليا، أن كل ما يتخذ من قرارات في حاليا، لا يستهدف سوى التخلص من أي تهديد محتمل من قبل أطراف سياسية، ربما تعارض تولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان السلطة، والذي يقول كثيرون إنه بات قاب قوسين أو أدنى، وأن الخطوة الأخيرة بتوقيف هذا العدد الكبير من الأمراء والمسؤولين النافذين في البلاد، لا يمثل إلا مرحلة من مراحل إخلاء الساحة لولي العهد السعودي، لتولي سدة الحكم في البلاد، ولكي يصبح الملك القادم للسعودية دون منازع- ويعتبر هؤلاء المتشككون، أن العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز أراد أن يكسب الخطوة تعاطفا من قبل الرأي العام السعودي، ومن ثم أظهر التخلص من خصوم ابنه المحتملين، على أنه حملة لمكافحة الفساد
 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
نهاد الحديثــي

كاتب وصحفي عراقي