ardanlendeelitkufaruessvtr

الثقافة والفكاهة

بقلم لطفية الدليمي تشرين2/نوفمبر 22, 2017 635

الثقافة والفكاهة
 
يعمد الكثير من الكتاب والنقاد والمفكرين إلى تقديم أفكارهم ورؤاهم بطريقة بالغة الفخامة والمهابة لإعلاء شأن المادة المكتوبة، ويعمد نقاد وكتاب آخرون إلى إقحام مصطلحات نقدية ومفاهيم فلسفية على موضوعاتهم أو في الأقل على عناوين مقالاتهم بقصد تجميلها وترويجها بين القراء الذين تغويهم العبارات المجلجلة والرطانة المفرطة .
يعترف المفكر والمنظّر الثقافي والناقد البريطاني تيري إيغلتون، في حوار حديث له قمتُ بترجمته، بأنه يستخدم التلميحات الفكاهية. وعندما بلغتُ بدايات أواسط العمر اكتشفتُ الموهبة الكامنة في أن يبقي المرء دراساته الفكرية الرصينة لأجل الوصول إلى روح قارئه ووعيه. يقول إيغلتون على حسّ الفكاهة الحي فيه “على الأقلّ في حالات الكتابة وإلقاء المحاضرات، عرفتُ أنّ حسّ الفكاهة يمكن أن يحافظ على التجانس والطواعية في روح المرء ويجعلها أكثر قدرة على إدامة التواصل مع الآخرين”.
ويعلن وهو المفكر غزير الإنتاج أنه أنجز كتابا بعنوان “الفكاهة” سيصدر قريبا، وقد كتب هذا الكتاب لإيمانه بأهمية الفكاهة في حياتنا ودورها الفاتن في تعزيز قابليتنا على تحمل منغصات الواقع المحبطة ومساندتنا في تخطي اللحظات السوداوية التي تداهمنا، ونحن نواجه الخذلان والألم والفقدان.
وتنطوي كتابات إيغلتون الفكرية وأعمال دوريس ليسينغ والروائي الصيني مو يان وروايات إيزابيل الليندي وماركيز وبعض أعمال الفيلسوف الفرنسي إدغار موران على قدر كبير من الدعابة والفكاهة اللاذعة التي تمنح القارئ نبضات حية من البهجة والتآلف الممتع.
تساعدنا الفكاهة في حياتنا اليومية على تخطي الحزن وتعمل مثل جهاز ماصّ للصدمات، وتخفف من جرعة الأسى والإشفاق التي نواجه بها أنفسنا، أما في الكتابة والتعامل الثقافي في المحاضرات والندوات، فليس ثمة طريقة أكثر تأثيرا في روح المتلقّي من إضافة بعض الفكاهة والتلميحات المبهجة وحتى اللاذعة في المادة التي نقدمها، كما أنّ هذه الفكاهة تمكّننا في الوقت ذاته من استكشاف بعض الخفايا في الموضوع الذي نتصدى لكتابته أو تقديمه لجمهور مختلف المشارب في قاعة محاضرات، مما يساعد المتلقين الهيابين لفتح باب النقاش وطرح التساؤلات والمشاكسة.
نلجأ غالبا في حالات الحزن أو الكآبة إلى سماع الفكاهات الخفيفة أو مشاهدة المقاطع الكوميدية على اليوتيوب، أو الحديث بطريقة ساخرة عن أسباب ذلك الحزن، أما في الكتابة فإن جرعة من خفة الدم والتطرق إلى طرفة مضحكة سوف يكون عونا للمتلقي والقارئ على استقبال الفكرة في إطار من المرح الجميل الذي يستنهض الهمّة ويجلو بعض صدأ النفوس.
يقول أحد الأصدقاء الفيزيائيين المعنيين بتاريخ الأفكار “الفكاهة نعمة مقدسة وهبة سماوية، وكل روح تنعم بحس الفكاهة إنما هي روح مضيئة نضرة لا يداخلها ظلام الكراهية ولا تنزع إلى الشر أو اقتراف الأذى”.
ألبرت أنشتاين -على سبيل المثال- عالم الفيزياء الأشهر قبل ستيفن هوكنغ، عُرف عنه شغفه بالفكاهة والمزاح في تعامله الاجتماعي مع المعارف والأصدقاء، وتشهد صوره الفوتوغرافية على هزلياته المضحكة، ولعل حس الفكاهة والمرح لديه أعانه على مواجهة الانغمار الطويل في بحوثه العلمية ومنحه حب معارفه وبخاصة النساء اللائي أحبهن في حياته، وهو يعلم ونعلم أن المرح والابتهاج عنصران أساسيان في الحب، فغالبا ما تفشل الزيجات وعلاقات الحب الكئيبة التي تحسب الربح والخسارة بدقة هندسية روبوتية وتفضي إلى انسداد المسالك أمام المحبين، مثلما يؤدي تجهم المدرسين وسحناتهم الحزينة إلى نفور التلاميذ من دروسهم.
كاتبة عراقية

قيم الموضوع
(0 أصوات)