طباعة

السيد مقتدى إذ يتصدّر المشهد ويُقدِّم أبو درع مثلاً ..

بقلم فخري كريم نيسان/أبريل 25, 2016 761

 

يبقى السيد مقتدى الصدر في صدارة المشهد السياسي، منذ تجييشه التظاهرات الصدريّة في بغداد، والتقاطه المبادرة من قوى العملية السياسية، وبخاصة التحالف الوطني، واستحواذه على الخبر الأول في النشرات الإخبارية والمواجيز، وكذلك بصيرورته صاحب السطوة والنفوذ على متصفّحي الشبكة العنكبوتية، بعد أن اقتحمت خطبه وبياناته وقراراته مواقع التواصل الاجتماعي، واحتلّت الإشاعات المتداولة جانباً حيويّاً من ذلك، وهي بحدّ ذاتها صيغة محوّرة "شِفاهية" لما يدور في كواليس السياسة والمجتمع، كانت منذ الجاهلية الأولى مادةً سريعة الانتشار في " الناقل الإعلامي" الشفاهي حيث كان الشعر، قناته الرئيسة بالإضافة الى النوادر والمآثر وحكايات الروزخونيّة في زمن تال.

وبغضّ النظر عن كلّ ما يقال عن الديناميكية التحريكية التعبوية للسيد، متّكآتها، مصادرها، أهدافها النهائية، وبعض ما يُقال يتّخذ منحىً تشكيكياً، وبعض هذا البعض لا يخلو من السفاهة والتعريض، فإنَّ ما فعله الصدر غيّرَ قواعد اللعبة السياسية ومجاريها التي شابها "السِيان" و"السخام" لتلاقيها مع مجاري الفساد والانحطاط والتعدّيات، وأصبح اللاعب الوحيد في ميدان الفروسية وسيّد قراراتها بلا منازع. وقد يُقال إنّ اللَعِب تجاوز الأشواط التقليدية وبات يستنفد الوقت الضائع، ويستهلك جهد اللاعبين ويُثير القلق بين المُتطلّعين. ربّما، لكن لا أحد يدري، فللمرّة الأولى يتسيّد الملعب السياسي في هذا العراق المُبتلى قاضٍ ومُدّعٍ واحدٌ، لا سلطة عليه في حراكٍ مكشوفٍ يُراد له أن يُرسي قواعد جديدة، بكلّ ما يتعلق به من تفاصيل وأدوات وأهداف.

استطاع السيد مقتدى الصدر، بعد تخلّي المرجعية العليا عن دورها الإرشادي، أن يجمع في شخصه الزعامة الدينية والسياسية ، وأن يدفع بهما الى أبعد حدود الإمكان، لتُصبحا معاً أداة تعبئة وتأثيرٍ مادّي ضاغطٍ لم تتوافر لغيره حتى الآن، وهما معاً قوّةُ تحريضٍ لحركة جماهيرية قوامها حشدٌ تابعٌ وموالٍ للصَّدْرَين الأوّلَين ولتيار الأحرار كامتدادٍ سياسيٍّ يتعهده بالرعاية الصدر الثالث مقتدى. وأبرز ما نجم عن مبادرة السيد "الجماهيرية الصدرية"، إظهار العملية السياسية كمنتهية الصلاحية، والدولة بوصفها "خيال مآته"، والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية كظلٍ لمجهولٍ لا حول له ولا إرادة، لكنه رغم ذلك غير قادرٍ على تقديم بديلٍ يتجاوز السياقات الدستورية. وحتى لو استطاع فرض ذلك بـ "القوة الاقتحامية"، فإن مثل هذا البديل لن يكون مقنعاً لقوى متنافرة المصالح والإرادات، وبالتالي ستتحول إلى نسقٍ من الأنساق المرادفة للعملية السياسية المُحتضرة. وأشكّ أنّ السيد "بما يقال عنه" من انتباهة في المنعطفات، لا يترك أمراً مهما كان ثانوياً دون حساب، يُمكن أن يخوض غمار مغامرة توظيف القوة لحسم "صراع الإخوة" على سلطة  ليس لها قوام دولة، أو قواعد للحكم .

إنّ إقدام السيد على تدابير وخطوات "تدخل" في إطار صلاحيات "الدولة"، إنما هي "نتائج عَرَضّية " لغياب فعليٍ لسلطة الدولة وحكومتها المُغيَّبة في مظاريف مغلقة أو في دفتر ملاحظات الدكتور حيدر العبادي. وما أقدم عليه ليس نزوعاً لـ "نِيّة مسبقة" للسيد لانتزاع دور الحكومة وإلغاء سلطة الدولة، مع أنه أثبت بما قام به حتى الآن، أنّ لا دور ولا سلطة للدولة في واقع الحال.

وفي مرحلة الهيجان وانعدام الرؤية، يصعب على الناس التمييز بين سلوكٍ يُضعِف إمكانات إعادة بناء الدولة " الفاشلة " وإصلاح مؤسساتها، وبين القيام بالإنابة عنها بما يَدخُل في صميم مهامها ووظائفها. ولهذا يتلَقّون برضاً ظاهر أي إجراءٍ يتخذه السيد مقتدى الصدر بحقّ رموز فسادٍ في تياره ومن بين خُلصائه. وكان الإعلان عن استرجاع معرضٍ للسيارات استولى عليه "نصير أبو درع" مصدر ارتياحٍ كبيرٍ في أوساط العراقيين الذين شهد العديد منهم انتهاكاتٍ مشابهة من منتسبي التيار، ومنهم أبو درع، ولا أدري إذا كان المقصود بالمستولي على معرض السيارات، أبو درعٍ آخر، تدور عنه حكاياتٍ تُشبه ما كان يُحكى عن "أبو طبر"، لكن ما لم أفهمه في بيان الهيئة السياسية للتيار، الإشارة الى أخذها "ضماناً" بأنّ المعتدي لن يُلاحِق المُعتَدى عليه صاحب المعرض!

وقد تساءلتُ، باستنكار كيف له أن يُلاحق مواطناً وبأي وسيلة " شرعية " وقوة إذعان يمكنه انتهاك حرمة القانون "المؤجّل" ، واعتماداً على حماية مَنْ ؟

وليس للرواية أن تنتهي عند هذا الحد، فالتجاوزات والشُبهات بالتعدّي والفساد تطاول العديد من رموز التيار والكتل الأخرى الحاكمة، ومن البرلمانيين المتنفّذين الذين يُقال عن البعض منهم ما يشيب له رأس الوليد. وحاشا للسيد أن يكون على بيّنة من ذلك.

تخطر لي في هذا السياق حكايةٌ أُورِدها للتخفيف من المشاهد السوداويّة التي تُحيط بنا، كلما فتح الواحد مِنّا عينيه كلّ صباح.

كانت ليبيا القذافي في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي تُغدق دعماً سخيّاً للأحزاب اللبنانية والعربية والمنظمات الفلسطينية، والى جانب الأموال كانت تقدّم السلاح. وإحدى شحنات السلاح أُرسِلت الى الحزب الشيوعي اللبناني عن طريق منظمة التحرير الفلسطينية. وعند تسلّم الحزب لها وجد أنها مستعملة، ومن الواضح أنها مسحوبة من مخازن فتح. فشكا الأمين العام للحزب آنذاك الشهيد جورج حاوي للرئيس الشهيد ياسر عرفات، ففوجئ حين قال له الرئيس "يا جورج السلاح نُقل إليكم مباشرة من الباخرة في الميناء كما قال لي إخوانك "وردّ عليه حاوي: أنت صادق أبا عمار، ولكن هل يمكن أن يكون في الجيش الليبي رشاشات كلاشينكوف مستعملة " محفورٌ"عليها أسماء "أبو الفتح" و"أبو الهيجاء" وأبو الهول و"أبو درع"؟ ..!

يا لمفارقات ومقاربات تلك الأيام المُضنية ..

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)