ardanlendeelitkufaruessvtr

الأدب العربي الرقمي ، الى أين ؟

تحسين الشيخلي 
مركز بحوث دراسات المستقبل - لندن
 
 أن مسألة تحولات القراءة في ظل الوسائط التكنولوجية الحديثة تستحق وقفة مطولة ، فدراسة العلاقة بين مجموعة متغيرات هي ، شبكة الأنترنت و الذكاء الأصطناعي والأدب (إنتاجا وتلقيا) أصبح واقعا في ظل حقل الأنسانيات الرقمية .
أن التغييرات التي عرفها الأدب العربي إنتاجا وتداولا وقراءة على إثر لقائه بالحاسوب باعتباره العمود الفقري للثورة الرقمية التي نعيش اليوم ثالث محطة في تاريخها ، ففي خمسينيات القرن الماضي ظهر الجيل الأول من الحواسيب التي كانت عالية الكلفة كبيرة الحجم، بحيث كان يشغل الواحد منها بناية كاملة، ومن ثمة قلة أعداد تصنيعها واقتصار استعمالها على أغراض صناعية. وفي نهاية ذلك العقد نفسه جرى أول لقاء بين الأدب والحاسوب، إذ تم إنتاج أول نصوص شعرية بمساعدة الكمبيوتر، في نهاية 1959، وذلك بالتزامن في فرنسا وألمانيا وأمريكا . علما بأن توظيف الحاسوب في إنجاز دراسات نصية كان قد بدأ قبل ذلك بعشر سنوات . وأخيرا في مستهل سبعينيات القرن نفسه بدأ انتشار الحواسيب الشخصية بحكم التطور المذهل الذي تعرفه صناعة التكنولوجيا المعلوماتية.
 ما تمر على جهاز الحاسوب الأكثر تطورا مدة 18 شهرا حتى يظهر حاسوب جديد يضاعف الأول كفاءة مرتين ويصغره حجما بمرتين (قانون مور). وفي تلك الفترة بدأت أول عملية نقل للأعمال الأدبية من الرفوف الواقعية إلى الرفوف الافتراضية، وذلك مع مشروع جتنبرغ الذي أطلقه يوم 4 يوليوز 1971 ميكائيل هارث. 
 في مستهل تسعينيات القرن الماضي تم إطلاق شبكة الأنترنت، ما أدى إلى ظهور الشبكات والعالم الافتراضي وسائر التحولات التي تغير وجه العالم تحت أعيننا اليوم. 
( للتاريخ فأن أول لقاء بين الثقافة العربية والحاسوب  تم منذ مستهل ستينيات القرن الماضي عبر الدراسة المفهومية للقرآن التي أجراها غارنييه عام 1963).
 بدون كمبيوتر لا يمكن لشبكة الأنترنت أن توجد أصلا. أليست هذه الشبكة في نهاية المطاف مجموعة هائلة من الحواسيب المتصلة فيما بينها بلغة خاصة؟
 واحدة من اهم هذه اللغات هي النص المرتبط (أو المتشعب  hypertext) الذي يقرأ في مدار مغلق، أي في قرص مرن أو مدمج، كما يقرأ في مدار مفتوح، ويحتاج إلى الشبكة، متى تطلبت روابطه ذلك. ومعظم النتاجات الأدبية الغربية لجأت الى استخدامه ضمن حقل الأنسانيات الرقمية ، و مما يؤسف له، لا نص إبداعي عربي رقمي واحد يمكن الى حد الان أستخدم النص المرتبط. بتعبير آخر، ان الأدب العربي المنتج حاسوبيا يقع بين نوعين ،نصوص رقمية بسيطة، تندرج تحتها النسخ الرقمية للنصوص الورقية القديمة والنسخ الرقمية لنصوص أصلية حديثة، ثم ، نصوص رقمية مركبة، وتندرج تحتها فئتان كبيرتان، هما، النصوص المعدة للنشر على الأنترنت فقط، ثم الأعمال التي تعتمد تقنيات التكنولوجيا الحديثة. وتتفرع هذه الفئة إلى ثلاثة أنواع صغرى هي، الشعر البصري، والنصوص الجمعية، ثم النصوص التفاعلية.
ويمكن العثور على سائر هذه الأنواع في المنجز الأدبي العربي الرقمي، ما يعطي الانطباع بأن أجناس الأدب الرقمي محصورة تتولد عن مجرد لقاء الكتابة الأدبية بالحاسوب. بيد أن هناك محاولات تجنيسية أخرى، منها تلك التي يقترحها الناقد والشاعر الرقمي الفرنسي فليب بوطز اعتمادا على متن أوسع بدون شك، تقصي كليا النصوص الرقمية البسيطة من دائرة الأدب الرقمي، وتصنف الأعمال في مجموعتين رئيسيتين ،الأولى تعطي الأولوية لقراءة النص على الشاشة، والثانية تركز أكثر على نظام الاتصال في مجموعه . ويمكن تفريع المجموعة الأولى وفقا للأنواع النصية السائدة التي أنشأتها مختلف الثقافات ولو أن الأعمال اليوم تنتمي في كثير من الأحيان إلى أنواع عدة. على هذا النحو يمكن التمييز بين النص التشعبي والأدب التوليدي والشعر المتحرك. أما المجموعة الثانية، فتشمل التجهيزات والأعمال الجماعية أو التعاونية والأعمال المتمحورة حول دور البرنامج.
 وبعرض المنجز العربي الراهن في الأدب الرقمي على التصنيف الأخير يلاحظ غياب تام لارتياد الكتابة في مجموعة من الأنواع (الأدب التوليدي، والتجهيزات، والأعمال المتمحورة حول البرنامج)، وأن الكتابة الرقمية العربية تعطي الأولوية لقراءة النص على الشاشة في المقام الأول، ما يفسح المجال لسؤال ما إذا كان هذا الإبداع يتم بمنطق الفرجة وأن مماهاة ما تتم لا شعوريا للحاسوب مع وجهاز التلفاز. إضافة إلى ما سبق، فالأسماء التي ارتادت هذا اللون الإبداعي في عالمنا العربي تعد على رؤوس الأصابع، وقائمة الأعمال المنجزة محصورة جدا. وكذلك الشأن بالنسبة للأجناس التي تم ارتيادها، حيث لا نتوفر اليوم على عمل واحد يعتمد التوليد أو التوليف أو رواية الويكي أو الرواية المكتوبة جماعيا. وقد يجد هذا تفسيره في حرص سائر من يكتب في اللغة العربية على حماية وضعه الاعتباري بوصفه مؤلفا والاستفادة من سلطته الرمزية والهالة المحيطة به، وهذا ما يجعل الحضور العربي باهتا ، للأسف الشديد ، في إسهامات كونية مثل موسوعة ويكيبيديا التي يثير مجرد ذكرها السخرية لدى الباحثين العرب فيما يشيد بها علماء كبار أمثال جويل روناي، إذ يقول ،تحتوي موسوعة ويكيبيديا المكتوبة بسبع وثلاثين لغة على أكثر من 1250000 مادة . وقد خصصت المجلة البريطانية طبيعة Natureوصحيفة لوموند في عام 2017 مقالا هاما لهذه الظاهرة المثيرة للاهتمام مع التشديد على أنه يوجد في ويكيبيديا من الأخطاء أقل مما يوجد في بعض كبريات الموسوعات مدفوعة الثمن. وحتى في الحالات النادرة جدا التي تم فيها استخدام تقنية التشعب، فالروابط يتم إدراجها يدويا للغياب التام لبرامج عربية لإنتاج نصوص أدبية بتقنيتي التشعب أو التوليد بخلاف لغات أخرى. ناهيك عن أن من الأدباء من لم يتجاوز إنتاجه نصا واحدا ، ما يدعو إلى التساؤل عن شرعية الانتماء الفعلي لهؤلاء المبدعين إلى دائرة الأدب الرقمي بمعناه الاصطلاحي وهو ما يدعوه نقاد غربيون بـ ( الأدب المعلوماتي) أو (المعلوماتية الأدبية ) أو (الأدب الرقمي )، من جهة، وعما إذا كانت هذه التجربة لدى البعض لا تعدو مجرد نزوة عابرة من جهة ثانية، ويستدعي، من جهة ثالثة، استحضار شروط نشأة الأدب الرقمي في الغرب بغية تفسير التفاوت بين السياقين واستشراف مستقبل هذا الفن في عالمنا العربي... .
 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
د. تحسين الشيخلي

كاتب واكاديمي عراقي