ardanlendeelitkufaruessvtr

الجزائر لا تختزلها مذكرة والسوريّ على رأسها "عمامة وتاج"

حياة بن بادة
 
"لو حدث وأن كلّفوني برئاسة قسم ونوقشت فيه رسائل بهذا القدر من الرداءة، لأشعلت النار في شواربي ولأضرمت عود كبريت في لحيتي واستقلت."
"لو كتب الله لي وارتبطت برجل لا يقلّ مستوى تفكيره في الحياة عن مستوى تفكيري فيها ورُزقنا ذريّة فلن نرسلها إلى جامعات كهذه بإذن الله. وأخاف أن يدور بي الزمان وأجدني قد غرقت." 
"أسأل الله العظيم أن يسلّط وفدا أجنبيا على أقسام مررت بها ويطلب منها عرض نخبتها المتضمنة طلّابها الراسبين الذين سجّلوا في طور الدكتوراه ناجحين(حاشى الناجحين بالفعل) لا بل ورؤسائها أيضا لنستمتع بمختلف العروض الكوميدية والتفاعلات الكيميائية على وجوههم، وأضحك بالطريقة نفسها التي ضحك بها مذيع على صوت ضيف." (وأدعوكم لمشاهدة الفيديو مترجما إلى العربية على اليوتيوب، فلا تبخلوا على أنفسكم بضحكة تخفّف عنكم اليوم أنملة من ألم المعاناة العربية).
"بحثّت عن العلم في أربع جامعات وأربعة تخصّصات فلم أجده، استغرقت رحلتي عشر سنوات، أرهقت فيها كاهل مراهقتي وعشريناتي التي توشك على الأفول حتى سئمت الدراسة بالجامعة وعدت للكتاتيب. كنت أذهب برفقة أبي مع الخامسة فجرا لأعيد حفظ القرآن من جديد وأتدبّره، فوجدت نفسي فجأة أقوم بالأعمال الشاقة في دهليز، لقد كان الشيخ يقيم الولائم ليلا ويستغلّ بنات الناس باسم الدين ليكنّسوا ويغسلوا وينفضوا الحصائر المقنطرة صباحا. وأصدقكم القول أن وزني كان يومها 49 وطولي 1.67 وطولي بالأنف العالي ما لانهاية كيلومتر. وكانت زميلاتي أقلّ منّي وزنا وطولا وجرأة، أي إنّنا كنّا كعيدان أكل صينية مكتوب علينا "قف". ومنذ ذلك اليوم لم أعد واستبدلت الشيخ بشيخة وكلّما تذكرته دعوتُ عليه. أدركت يومها لماذا كانت أختي الصغرى تتفجّر باكية كلّما وبّختها أمّي على التغيّب. المسكينة كانت تتألّم لدى رؤيته يُجَيِّف الأطفال!"
"إلى متى ونحن نتحمّل أخطاء الآخرين ونجيّف قلوبنا وقلب الوطن؟"
هذا بعض ما أردّده كلّما تطرّقت وأصدقائي لنوعية التدريس في بلدي وجودة العلم في عالمنا العربي المسكين الذي مات فيه الضمير وأهلكته الأخلاق الفاسدة.
"تسوّل المرأة اللاجئة السورية في المجتمع الجزائري"، مذكّرة كتبتها طالبتان جنت على الجزائر كلّها، كأنّ الجزائر هي من كتبت واعتدت وجرّحت، وفي الحقيقة لا يمكننا تغطية الشمس بالغربال، فالطالبتان أخطأتا من جوانب عدّة، أخطأتا لأنّ عينة بثمانية أشخاص لا تمثّل طائفة والموضوع ليس بالظاهرة، كيف لا وقد اعترفتا أنّهما واجهتا مشكلة في جمع العيّنة وأنّ جلّ أفرادها من فئة الغجر الذين اعتادوا على الكسب من التسوّل. لو أنّهما عالجتا موضوع تسوّل الفرد الجزائري في المجتمع الجزائري لتجمّعت لهما عيّنة ضخمة في العاصمة لوحدها. المذكرة كشفت عن مستوى الجامعة الجزائرية الذي ننقم عليه وهوى مع ما هوى من أوضاع الواقع المعيش، وقدّمت لنا نوعا من أنواع الإشراف المهمل. كيف لا والموضوع عام لا يمتّ لسوسيولوجيا العنف والعلم الجنائي بصلة والمنهجيّة مختلة واللغة مختلة وملخّص اللغة الانجليزية مختل، ألا يكفيها هذا لتصنّف ضمن المذكرات الرديئة بغضّ النظر عن موضوع التجريح الذي مسّ اللاجئة السورية بصفة عامة؟
يقال مصائب قوم عند قوم فوائد، وأرجو أن تكون هذه المذكرة درسا للبقيّة بما فيهم أنا، فالجزائر لا تستحقّ هذا الشقاء.
في الجزائر طائفة من الأشخاص يرفضون تواجد الأفارقة فيها ويضطهدونهم بشتى الأشكال ولعدّة أسباب بعضها ليست إلّا أسبابا عنصرية ويصرّحون أنّهم يعانون من خطر الأفارقة في الوقت نفسه، وما أكثر القصص والأحداث التي سمعناها وشاهدناها حول هذا الملف في مجتمعنا الذي وصل فيه الرفض لدرجة الاشتباك، أولئك الأفارقة موزعون في كلّ مكان عشرات، عشرات. المذكرة لم تعالج هذه الفئة لأنّها بعيدة عن قلب معظم الجزائريين لكنّها كتبت عن بعض الغجريات لأنّ سوريا تعيش في قلوب جلّ الجزائريين إن لم نقل كلّهم نظرا للرباط الكبير الذي يجمع الشعبين من جميع النواحي. تمنّيت لو أن المذكرة لم تكتب بالعاطفة، لو أنّها كتبت بالمنطق لتألّقت، لو أنّها عالجت فئة الأفارقة مثلا ضمن سوسيولوجيا العنف والعلم الجنائي لكانت ثرية ولأثرت، لكنّها كتبت بالعواطف فأخطأت العنوان للأسف، لأنّ شوارع الجزائر لا تعجّ بالمتسولين السوريين بقدر ما تعجّ بالجزائريين أنفسهم والأفارقة. ليتها الأستاذة المشرفة رفضت معالجة الموضوع بمجرّد عدم توفرّ العينة التي تدعو فعلا للدراسة ووفرّت علينا التفرّج في الشتم والسبّ الذي صبّ علينا مذ خرجت لوسائل التواصل الاجتماعي وليت أولئك الذين وصفونا بشتّى الأوصاف الدنيئة تسلّلوا إلى داخل المذكرة وقرؤوا دوافع الدراسة! أتخيّل نفسي مكان طالبتين عشقتا سوريا فأرادتا أن تكون حاضرة يوم تخرّجهما فاختارتا أن تتعاطفا مع الوضع السوري وتكتبا لأجله مذكرة تخرجهما فإذا بهما تنعتان بعد عامين من تلك الالتفاتة بالسافلات والغبيّات وغيرها من المواصفات التي لا تحتمل حقّا. لو كنت مكانهما لكنت الآن بعشقي السوري الذي أحمله في صدري في غيبوبة ملقاة في إحدى المستشفيات! فمن ذا نلوم؟
وأنت يا أخي السوري هل تزعجك ورقة لغتها ممزّقة؟ هل تزعجك ورقة وأنت تسكن منذ الأزل في روح الجزائر وتقطن تاجا على رأسها من الأذن إلى الأذن؟ ومنقوش في قلبها بلغة فصحى عظيمة هي وجميلة. لن أخوض في ذاك الورق فقد علمت من قراءتي له أنّ التعاطف هو من كتبه وما أكثر الذين يخطئون في التعبير عن حبّهم وهم صادقون! وإنّي لأجهل الغيب والنوايا، فدعني معك.
أخي السوري، حتى نحن لاجئون في أوطاننا، ليس فقط لأنّنا محرومون من رئيس يتجوّل في أحيائنا وينصت لشكاوينا ويتنكّر في زيّ بهلول حين ينزل من كرسّيه إلى أكواخنا ويقوم من فراشه الدافئ فجرا إلى بردنا، فعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز لا وجود لهما في قصور الرئاسة العربية وليتنا رُزِقنا بأحد العمرين. 
تعالى أخبرك بسرّ معروف جزائريا، قبل سنوات خرجت من البيت فوجدت امرأة جزائرية تتسوّل بلهجة سورية فطرت فرحا، غريب أن تفرح بمتسوّل، لكنّ ماذا تنتظر من فتاة مثلي خرّيجة مسلسلات سورية كانت لديها مفكّرة مخصّصة للمواعيد؟ عندما حاولت الاقتراب منها صقلتني أختي بيدها وخاطبتني أن يا غبيّة، هي ليست سوريّة، هي تتظاهر أنّها سورية لتتعاطفي معها فقط. وبعد أيّام وجدتها تتحدّث بلسان جزائري مبين، وا أسفاه.
أنا لا أحكي لك هذا لكي أوهمك أنّ كلّ الذين التقيتهم في الشوارع يستجدوننا هم جزائريون بلهجة سورية، لكن دعني أخبرك بأسف علينا أنني وسط العاصمة وفي شارع أودان المكتظّ التقيت بأشخاص بعضهم يبيع المناديل وكانوا سوريين بالفعل، وكنت كلّما رأيتهم والأفارقة كلّما تقطّع قلبي وأذكر أنّني تعاطفت معهم أكثر من أبناء وطني، وكنت أخجل من نفسي وأتحسّر على تقصيرنا، لم يكن يهمّني إن كانوا غجرا أم حضرا فالصوت السوري وحده يشدّني. لست أدري لما ولكنّني كلما أنصتّ لدقّات قلبي وجدتها ترّن بعشقٍ سوريّ غريب.
أخي السوري، هل تعلم أنّني ولدت في حيّ كانت جلّ بيوته مبنية بطابع أندلسي وبالتالي دمشقي؟ فالبيت الأندلسي لطالما كان نسخة جميلة عن أبيه الشامّي.
كانت بيوتنا قبل أن تغتصب جمالها الفوضوي العصرنةُ المنتظمة بقرف، مثل بيتك الذي خلّفته في الصالحية وفي كلّ حارة من حارات الشام، كان لنا صحن دار وحوض زهري وأشجار نارنج معطّرة وغرف ضيافة مجهزة بأواني لست أدري أأنعتها بالشامية أم الأندلسية أم العربية وفيها صافحت صوت فيروز وصباح فخري لأوّل مرّة.
أنت تسكن فينا وكلّ قطرة من روحك تحرّك الحياة فينا منذ القدم، العديد من الأصدقاء السوريين قالوا لي إنّهم في الجزائر لا يشعرون أنّهم غادروا سوريا. نعم نحن لسنا في حدودكم كتركيا ولبنان والأردن وفلسطين والعراق لكنّنا بما نحمله لكم في قلوبنا نغلب الأمواج الهائجة للبحر الأبيض المتوسط الذي نتشاركه فنجد أنفسنا قد رسونا عند مرافئ الحبّ الذي يجمعنا. ومتى كان الوفاء يقاس بالحدود؟!
نحبّكم بقدر ما أوتينا من حبّ وعلى رأسنا أنتم وفي عيوننا ما استطعنا، وتأكدّوا أنّ في أرض الجزائر لا وجود لعاقل أصيل يكره أن نتشارك السفرة، المشكلة أنّنا وإيّاكم سفرة الظالمين وسفرة النمّامة وسفرة الجاهلين، وسفرة المجانين حاشى المجانين الطاهرين. 
نحبّكم والقلوب ليست شارعا يخرج إليه الناس متى أرادوا، يفتحون تحقيقا في نواياها ثم يدوّنوها في منشور. نحن لم نجتمع بورقة لتفرّقنا ورقة، نحن اجتمعنا بقلوبنا وفي قلوبنا، الدبلوماسيون هم من تجمعهم الأوراق أمّا الشعوب فتجمعها القلوب.
صدّقني، أنت فينا وإن لم تصدّقني فتّش بنفسك عنك فينا ستجدها. ولا داعي أن تبحث عن سوريا في الجزائر لأنك ستجدها متسلسلة عفويا في أرضها، ستجدها في المنازل والأحياء والأسواق، ستجدها في "زقاق السوريين" في ساحة الشهداء، ستجدها في دم أطفال من أبوين جزاسوريين، ستجدها في مطبخنا، في كتب القراءة، ستجد سوريا في أزقتنا الضيقة وبيوتنا المتقابلة وشوارعنا، وفي البائع الجوّال، وفي لباسنا، وفي نثرنا وشعرنا.
دعواتنا لك قوية كآذان المسجد الأموي، قلوبنا رطبة كقطن اللاذقية، مسالمة كزيتون إدلب، مبتسمة كضحكات حمص، مفعمة بالحياة كنواعير حماه ومغذيّة كقمحها وأقدم أنت فينا من قلعة حلب والتاريخ بأسره، فقد تحاببنا في السماء. وإن زلّ القلب مرة وأخرى اغفر.
 نعتذر إن نام لاجئ في العراء، نعتذر إن جاع، إن تألّم وحزن لكنّنا سنطيع الحبّ فيك ما استطعنا. نحن اللاجئون في وطننا الغالي، أمّا أنت فحبّنّا القادم من الشرق.
 
قيم الموضوع
(3 أصوات)
آخر تعديل على الثلاثاء, 23 كانون2/يناير 2018 00:18
حياة بن بادة

كاتبة من الجزائر