ardanlendeelitkufaruessvtr

الكاتب وكتابه الواحد

بقلم حميد سعيد شباط/فبراير 16, 2018 647

الكاتب وكتابه الواحد
تفعل بعض الكتب بكتابها ما تفعله امرأة غيور بمن تحب، إذ يرتبط هذا الكتاب بكاتبه، حتى كأن الكاتب هو الكتاب، والكتاب هو الكاتب، ومعظم هؤلاء الكتاب لهم مؤلفات أخرى غير الكتاب الذي يشتهرون به ويشتهر بهم، حتى لا فكاك بينهما، وقد تكون تلك الكتب لا تقل أهمية عنه، ولكنها تختفي ويطويها النسيان أو تكون ذات حضور هامشي في أحسن الأحوال.
وعلى سبيل المثال، فأبوالفرج الأصفهاني، وهو الكاتب الموسوعي، غير أن اسمه ارتبط بكتاب الأغاني، حتى لا يكاد يذكر إلاّ به، وقبله الفيلسوف اليوناني أفلاطون، وهو من آباء الفلسفة ومعلميها، إلا أن اسمه ارتبط بكتاب جمهورية أفلاطون، حتى كأنه إنجازه الوحيد، فغطى على صعيد الشهرة جهوده الفكرية الأخرى، وإن روائيا عظيما مثل غوستاف فلوبير، لا نكاد نتذكره أو نتحدث عنه إلاّ من خلال رواية “مدام بوفاري” ليست كنص إبداعي فحسب، وإنما بما اقترن بها من ردود فعل اجتماعية وإجراءات قضائية، وعلى هذا الصعيد يمكن أن نذكر الكثير من المؤلفات ومثلها من المؤلفين.
وإذ كنا نعرف أن بعض الشعراء العرب، من قدامى ومحدثين، قد ارتبطت أسماؤهم بقصيدة واحدة، رغم أن فيهم من له ديوان مخطوط أو محقق ومطبوع، غير أنهم اشتهروا بقصيدة واحدة جعلتهم في عداد الشعراء، سواء كان لهم غيرها أم لم يكن، وأشهر هؤلاء ابن زريق البغدادي وقصيدته – لا تعذليه فإن العذل يولعه – وقبله الشنفرى الأزدي ومالك بن الريب وقتيلة بنت الحارث وغيرهم، وقد جمع الشاعر الراحل نعمان ماهر الكنعاني هذه القصائد في كتاب بعنوان “شعراء الواحدة” ومن المفارقات أن الكنعاني قال لي يوما: ماذا فعلت بي شهرة كتابي شعراء الواحدة؟ حتى كأنني لم أكتب غيره.
وما دمنا في هذا الصدد، فلا بد من أن نتوقف عند رواية “دون كيخوتيه” وكاتبها سرفانتس، إذ له مؤلفات غيرها، وبخاصة ما كتب من مسرحيات ومسرحيات قصيرة وقصص قصيرة وطويلة، ذكرها الدكتور عبدالرحمن بدوي في المقدمة الضافية التي كتبها لترجمته دون كيخوتي، وقد طبعت مرات ومرات، وترجمت إلى عدد كبير من اللغات الحية، لكنها قياسا بحضور رواية دون كيخوتي الطاغي، كانت ومازالت في الظل، وقلما جرى حديث ثقافي بشأنها.
لقد أقدم الكاتب والمترجم محسن الرملي على ترجمة ثمانية نصوص مسرحية قصيرة من اللغة الإسبانية وهو يدرك أن كاتبا كتب دون كيخوتي “هذا الكتاب الذي يعد أول أنموذج للرواية الحديثة في العالم، ومن ثم كان التحول الكبير في الأدب، وخاصة النثر حيث أحدث ثورة مازلنا نعيش تأثيرها” و”لا بد أن يكون الكاتب الذي أبدعه، شخصا عبقريا ومتميزا، وعليه فإن التعرف على أعمال أخرى لعبقري بهذه القامة، لا تقل أهمية عن معرفة عمله الأساس”.
ومع احترامي لهذا الرأي، وقد قدم محسن الرملي في ترجمته لمسرحيات سرفانتس القصيرة، عملا إبداعيا مهما، وبخاصة للقارئ العربي الذي يطلع عليها لأول مرة، أي على كتابات سرفانتس غير دون كيخوتيه، وحين وصفتها بأنها مهمة، فهذا الوصف لا يدخل مدخل المقارنة بدون كيخوتي، فمواصفاتها على الصعيدين الفكري والجمالي هي التي تمنحها الأهمية.
لكنني أظن بأن الذين أتيحت لهم قراءتها، أعجبوا بها أم لم يعجبوا، لم ترسخ عندهم على أهميتها، كما رسخت رواية دون كيخوتي، ولن يتذكروا سرفانتس بها.
وهذه الحالة هي التي قادتني إلى عنوان عمودي الثقافي هذا، إذْ يقترن اسم المؤلف بكتاب واحد، وإن كانت له كتابات أخرى مهمة أيضا.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)