ardanlendeelitkufaruessvtr

الأحكام الكسولة

بقلم ريم قيس كبّة شباط/فبراير 21, 2018 546

الأحكام الكسولة
يعاني الكثيرون -وأخصّ المشاهير منهم والسياسيين أو من يقعون ضمن دائرة الضوء- من الإشاعات التي تؤسس لأحكام تَشِمُ حياتهم سواء كانت حقيقية أو ملفقة.. فلطالما اعتاد الناس سماع الخبر وتصديقه دون عناء التحقق منه.. وعلى الأخص حينما يتعلق الأمر بما يسمى “النميمة الفنية”.. فهي المواضيع الأهم التي تعتاش عليها الصحف الصفراء وميديا الفضائح ويتداولها الناس فتكون مادة للتندر والضحك وتصبح بمرور الوقت حقائق تاريخية لا جدال فيها.
وقد تنسحب الفضيحة التي وصمت شخصا بعينه فتكون صفة تصم كل من له علاقة بعمل ذلك الشخص أو انتمائه لفئة معينة.. فعلى سبيل المثال.. ما شاع عن تصرفات مطربة عراقية بعينها في أربعينات القرن الماضي من تحرر وتمرد بما يتنافى وتقاليد المجتمع وأعرافه آنذاك.. فأصبحت كل المطربات سيئات السمعة بالضرورة.. وهو أمر لم يكن قابلا للنقاش في ذلك الزمن بأي حال من الأحوال.. ولم يكن ممكنا لأي أسرة محافظة (مستورة) أن توافق على أن تحترف ابنتها الغناء!
ولا يسعني أن أمر على موضوع الإشاعات دون أن أتذكر قصة جدتي رحمها الله.. تلك القصة التي طالما كانت تحكيها بكثير من المرارة والأسى.. إذ كانت طالبة في الابتدائية في عشرينات القرن الماضي واضطرت إلى ترك مدرسة البنات حين أساءت إحدى زميلاتها التصرف.. فخاف باقي الأهالي على بناتهن.. وحرموهن من استكمال دراستهن!
والأمر سيان اليوم لكن ربما بطريقة مختلفة أو أقل وطأة من السابق بكثير.. لكنها ظاهرة موجودة ومشخصة فعلا.. وعلى وجه التحديد في مجتمعاتنا العربية التي طالما عانت وتعاني من الكبت وعدم الانفتاح وتقبل الآخر.. فقد يسيء التصرف مذيع في التلفزيون أو صحافية في إحدى المجلات أو طبيب أو ممرضة أو قاضٍ أو سياسي.. إلى آخره.. فينسحب الأمر على الجميع فتكون المجلة الفلانية تحت مجهر التشكيك والمستشفى الفلانية مثار جدل ولغط.. وقد يصبح كل المذيعين غير موثوق بهم عند الناس.. وكل القضاة مرتشون وكل الممرضات سيئات السمعة وكل السياسيين أدعياء فاسدون!.. وهو ما يمكن أن يندرج ضمن سياق الموضوعية والعدالة.
وقد يكون الأمر أبسط من ذلك بكثير.. كأن يعاني من يؤتى بجريرة سواه.. فما إن يظهر شخص بعينه في الإعلام أو يصبح معروفا ولو على نطاق ضيق حتى يكون عرضة للانتقاد دون سبب واضح سوى أحكام كسولة تنسحب عليه ربما من شخص حاقد أو رافض لأجل الرفض.. أو من ببغاء اجتماعي يردّد ما ردّده سواه دون تأكّد أو تحقق أو تدقيق.. فأنت ما إن تصبح شخصية عامة حتى تصبح في دائرة الضوء وتصبح مثار جدل لأنك لا تعود ملك نفسك أو عائلتك وإنما ملكا للمجتمع بأسره ويشعر كل شخص أن له فيك حصة لا يمكن لك أن تتجاهلها.
وأخيرا.. يتبادر السؤال صارخا في ذهني: ألن يكون من الأجدى بنا اليوم في خضم ثورة التكنولوجيا وإذ أصبحت المعلومة البسيطة والمعقدة في متناول الجميع.. أن نهشّ ذباب الكسل عن رؤوسنا ولو بضعة دقائق فنبحث قليلا في صحة خبر ما.. قبل أن نشيعه ونتحدث به وكأنه حقيقة؟
شاعرة عراقية

قيم الموضوع
(0 أصوات)