ardanlendeelitkufaruessvtr

استفق قبل أن تتحول الى مجرد أيقونة افتراضية ..

د. تحسين الشيخلي
 
إن ما نعانيه اليوم هو أن العوالم الافتراضية تشهد تدفقا بلغ الآفاق ، سلسلة لا نهائية من الصور وصور الصور، التي باتت تنوم مغناطيسيا المتلقي وتحاصره من كل صوب وحدب، فتنزع منه كل رغبة في التخلص من سطوتها، وتسلب منه أغلى ما يملك وهي الحرية أو إرادة الفعل الحر. في وقتنا الراهن، العصر الذي أريد له أن يكون عصر الانفجار المعلوماتي والثورة المعلوماتية. لقد أضحينا بالقوة وبالفعل أسرى الأوهام ومجموعة من الرموز. إننا، وهنا سأستعير عبارة صاحب كتاب الإنسان العاري( انها الدكتاتورية الخفية للعالم الرقمي )، كما لو أننا سجناء داخل مرايا مشوهة وبدون مادة قصديرية وراءها، لكي تعكس الحقيقة بصورة أمينة. لقد أصبح انعكاس الواقع في رؤوسنا أهم من الواقع ذاته، والظل أهم من النور، واللاواقع واقعا. إن الواقع قد أخذ في الانسحاب شيئا فشيئا، تاركا محله لصالح اللاواقع أو ما يسميه بودريار ما فوق الواقع أو ما أحبذ ترجمته بالواقع الفائق، الذي ينسف العلاقة الحميمية بين الدال والمدلول، بين الرمز وما يرمز إليه، فيصبح الواقع لا يجد مرجعيته إلا في ذاته. إذ إنه كلما اكتفى الرمز بذاته وجسرت العلاقة بينه وبين ما يرمز إليه، يصبح ما يدل عليه الرمز من خارج الواقع، وبذلك يختفي الواقع ويظهر بالتبعة الواقع الفائق. وبذلك فقد اختزل الواقع في الصورة، وأصبح العالم مجموعة من عمليات الاصطناع والصور، بل إن هذه الصور نفسها أصبحت هي الواقع الذي توارى إلى الخلف محجوبا. إن الرمز (اللغة، الصورة، الشيفرة...) يقضم الواقع ويطرده تدريجيا إلى أن يحتل مكانه. هكذا يصبح الواقع هو الرمز والرمز هو الواقع. مما يعني تدمير التصور الفلسفي للحقيقة بوصفها مطابقة للواقع. بعبارة أخرى، فالرمز تحول إلى ديكتاتور يسطو على الحقيقة ويستفرد بها لوحده.
 
إن أحد أعراض الفاجعة التي نتكبدها اليوم هو هذا السعار العام والجري اللاهث وراء الصورة الذكرى. إنها شراهة مرضية عززتها الهواتف الذكية، التي تتيح تصوير وتخزين عدد لا محدود من الصور، ومشاركتها تلقائيا مع الجهات الأربع للعالم. ومن ثمة فقد أصبح العالم يقوم على هذا مبدأ لا قيمة للحاضر إذا لم يأخذ شكل ذكرى رقمية . فما الفائدة من بلوغ قمة جبل إذا لم يتحول الحدث إلى صورة تؤثث الفيسبوك أو تويتر؟ وما قيمة مشاهدة مباراة فريقك الأثير إذا لم تخلد ذكرى الحدث في صور؟ وقس على ذلك أحداث ووقائع ومناسبات خاصة وعامة، أصبحت تؤثث العوالم الافتراضية.
بالفعل لقد أدت عملية رقمنة العالم إلى انتزاع الواقعية عنه. إنها ظاهرة من العسير التحكم فيها، إنها مثل ثقب أسود يبتلع الواقع المحسوس. قبل أن تصبح اليوم الحواسيب والهواتف الذكية هي ما يمثل هذا الخطر الزاحف الذي يتهدد جغرافيا العالم الواقعي، وعندما كان التلفاز في بداية انتشارها توقع الفيلسوف الألماني غونتر أندرس في إحدى تأملاته هذا الخطر القادم من صندوق العجب هذا، قائلا ( عندما يصبح الشبح حقيقيا، يصبح الحقيقي شبحا ). 
لكن لماذا نلح على تخليد كل شاردة وواردة من حياتنا العامة والخاصة؟ لماذا نصر أيما إصرار على أن نحول واقعا ثلاثي الأبعاد، أو ربما أكثر إلى واقع ثنائي الأبعاد؟ لماذا نتعنت من أجل مقاسمة لحظاتنا الحميمية مع غيرنا؟ لماذا نولي بالغ الأهمية للواقع الرقمي بدل الواقع المعاش ؟
لقد غدا الواقع الرقمي الذي يفرضونه علينا كل حين هو الواقع الحقيقي. فبترميز العالم يرمي الكم المعلوماتي الهائل Big Data بشباكه بيننا وبين الواقع، فيمتص مشاعرنا ووجداننا التي تعد بحق منتجات إنسانية محضة، غير قابلة للنمذجة أو القولبة، وهي وحدها التي تجعل من الإنسان كائنا لا يمكن توقع ردود أفعاله على النقيض تماما من الحاسوب المبرمج. إن هذا الواقع اللامادي الغريب ينتزع من الإنسان أصالته الإنسانية التي اعتبرت قيمة جوهرية. فأن تكون أصيلاً يعني أن تعرف نفسك بنفسك، وأن تقبل بوعي الوجود كما هو.
تقضم الافتراضية بسادية كل يوم مساحة من مساحات المجتمع، وتخترق نشاطا من أنشطة الإنسان، سواء كانت نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو فنية... فعلاقاتنا أصبحت لا تتم إلا بواسطتها، ومشاعرنا أصبحت لا تتم إلا عبر وسائل التواصل (الحب الافتراضي، الشخصية الافتراضية، التجارة الافتراضية، الإرهاب الافتراضي، المتحف الافتراضي...)
لقد تغير حتى معنى الواقع من الواقع الذي أراده أرسطو ماديا إلى الواقع الافتراضي، الذي يريد أن يقول ، إن الواقع وهم والواقع ليس هو ما يوجد، بل هو ما يسجله عقلك... وهذا ما يؤدي رأسا إلى ضياع جوهر الواقع، وهو ما يحتم ضرورة إعادة النظر في عدد من المفاهيم الفلسفية من قبيل مفهوم الشخص ومفهوم الهوية ومفهوم الحرية وغيرها.
يصف مؤلفا كتاب الإنسان العاري عملية الولوج إلى الشبكة بتحالف أو ميثاق مع الشيطان، حيث نقايض هويتنا الرقمية بعدد من الخدمات المجانية. لنقرأ ما يقوله رئيس إدارة غوغل ( بالنسبة لمواطن الغد، تشكل الهوية أغلى السلع. ستكون الهوية أساسا متصلة. إن سلطة ثورة المعلومات هذه رغم بعض مظاهرها السلبية تستدعي في المقابل خيرا أساسيا ) بعبارة أخرى، فالاستغلال الذي يطال متصفحي الشبكات العنكبوتية سيكون أيضا مصدرا من مصادر سعادتهم.
يدفعنا الاتصال إلى أن نستشعر، متوهمين طبعا، أننا مستقلون وأحرار، لكننا في الحقيقة عبيد هذه الآلة الجهنمية. إن تواصلنا يخضع لعدد من القواعد، الرسائل يتم مسحها نهائيا، والعلاقات الاجتماعية تتم برمجتها. إن اللوغاريتمات البرمجية تحدد كذلك مسارات هويتنا الرقمية. إن توأمنا الرقمي يتصفح العوالم الخفية في مدن ومواقع الشبكات والجغرافيات المحلية والمؤسساتية (org.) والأجنبية (uk.) والكونية (com.) برغم مساحة الحرية التي يوفرها الواقع الافتراضي وإلغائه للحدود بين الأوطان والثقافات واللغات، غير أنه وكما يشير إلى ذلك الأنثربولوجي الأمريكي توركل في مؤلفه عزلة جماعية ( أننا بالفعل نجتمع كلنا غير أننا وحيدون) . إنه على عكس ما يبدو عجزت الشبكة في أن توجد التضامن والتآزر بين الأفراد، فكل واحد يسبح داخل فقاعته، والكل لا يهمه إلا ذاته. إنها الفردانية المتوحشة، وهي ترقص وحيدة في العالم الافتراضي!
هناك مساوئ عديدة لهذه الظاهرة، إلا أنني سأكتفي بالإشارة بإيجاز إلى بعضها. فبالإضافة إلى اختراق الحميمية واستباحة الخصوصية، هناك أيضا مثالب أخرى نفسية واجتماعية. ففي اليابان مثلا، ظهرت شريحة من الشباب المتقوقع على ذاته، والعاجز في أن يحيا خارج عالمه الافتراضي. إنه ما يسميه السوسيولوجي دومينيك فولتون في كتابه ( العولمة الأخرى ) باستلاب التفريع اي لا وجود ما يمكن ان تفرغ فيه طاقتك سوى الشبكة . في مقابل ذلك يقول( إن الأساسي بالنسبة للإنسان ليس هو الصورة وإنما الاتصال ). كما ثبت أيضا أن إدمان الواقع الافتراضي يؤدي إلى مجموعة من الأمراض النفسية، التي تبدأ بالبارانويا وصولاً إلى العصاب الوسواسي، إضافة إلى الكبح الزائد للتعاطف مع الغير، والتعود على مشاهد العنف، مما قد يتسبب في مآسي وكوارث مثل الجرائم الجماعية، التي يرتكبها القاصرون في المدارس على سبيل المثال لا الحصر.
للعقل أوهامه ، وبرغم أن هذا الوهم ذاتي وشخصي، ويتصل وثيق الصلة بأفكار الشخص الفرد، إلا أن ما نعايشه اليوم هو سعار جمعي أو قل هو بلغة فرانسيس بيكون مرة أخرى وهم للقبيلة جمعاء، إذ إنه بعد كل شمس تبزغ علينا تتناسل أعداد عبيد التقنية والعالم الافتراضي. أمام سطوة هذه الأوهام يفرض علي واجب الوعي بالوهم أن أصيح عاليا: استفيقوا قبل أن يفوت الأوان، ويصير كل إنسان مجرد أيقونة افتراضية!
قيم الموضوع
(0 أصوات)
د. تحسين الشيخلي

كاتب واكاديمي عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It