ardanlendeelitkufaruessvtr

"مدرسة إبداع عراقيّة باسم وكالة الحدث الاخبارية "

نسرين ولها .. أديبة وقاصة عربيّة من تونس
 
محكمات أدبيّة بين الأستاذ زياد الشيخلّي والأستاذ سهل النّعمان والأستاذ أنمار الدّروبي. جيل الرّوّاد الذي عرفناه في السّيّاب ونازك الملائكة والبيّاتي منذ منتصف القرن العشرين، يمتدّ إلى أيّامنا فيختزل مسافة الزّمان لينبثق مجدّدًا من الخامات العراقيّة الأصيلة .. جينات بابليّة تنفض غبار التّاريخ وهي تتحفّز لتكوّن جيلاً بملامح إبداعات أدبيّة ثوريّة تفصح عن نفسها في الإعلام وكتابة المقالات، تبشّرنا بأنّ زمان العراق لا يتوقّف عند ليل طويل يستر بقاء وحوش الاحتلال ! رجال عراقيّون تغرّبوا وهم يحملون فوق كاهلهم أعباء هموم الوطن؛ هكذا تعكس مراياهم الأدبية للعالم بعض من تجليّات عراق الحريّة والأمل القادم ... يولد الإبداع من رحم الفطرة، وغالبًا ما تصحب ولادته حالة من العفويّة يشوبها الألم في مخاض عسير تتشكّل خلاله ملامح الصّورة الإبداعيّة . ويبدو بأنّ هذه الحالة لا تنفكّ تتكرّر في طبيعة التّطوّر البشريّة. إنّ عوامل تفجّر هذا الوضع الإبداعي في ذات الإنسان يشبه الثّورة شيئًا، لذلك يصعب رصد طاقته والتّكهن بطبيعة ظروف مساره الأدبيّ والفنّيّ. لكنّنا نرصد فقط جماليّة نتاج المُبدع حيث تكمن في تجاوزه للمألوف التقليديّ الجامد، إضافة إلى اختزال الإبداع لكمّ من الصور الحيّة في التّعبير الذي تعجز الأساليب الكلاسيكيّة و المتناولة سابقا أن تتناسق مع روحه الثوريّة الخلاّقة . إنّ التّعبير الإبداعيّ لا ينسج مادّته من وحي الخيال كما يتكلّف من يمتهن ويحترف لونًا من ألوان الفنون والأدب. إجمالاً، الإبداع هو عمليّة تفاعل بين الموضوع وعقل المبدع ، تتعطّل خلالها جميع مؤثّرات الصّور النمطيّة السّائدة وكأنّ المبدع ثائر في تمرّده على الواقع المرفوض عند وعيه الذاتيّ .لذلك يتجرّد كليّا من قوانين الرّتابة التي تفرضها السّياقات العرفيّة للفنّ أو الأدب المأثور . و عند هذه المرحلة تتألّق إنسانيّته بوحي الجمال ويبرز تفرده للعيان ليعلن إنتاجا فريدًا و لا نظير له. هذا هو الفيض الجماليّ الذي لا يتوقّف في محاكاة الزّمان والمكان، فيمنح المبدع لنفسه هويّة خاصّة في عالم الفنّ أو الأدب. ثمّ يبقى على الدّوام ينشد التّطوّر نحو التّجديد والتّألق المستمرّ !~ يمكننا أن نضرب مثالاً سابقًا عن هذه الحالة الإبداعية مع بداية ظهور القصيدة الحُرّة في العراق بعد نهاية الحرب العالميّة الثانيّة ، حيث تنافس عدد من الشّعراء في كتابة الشّعر الحُرّ على رأسهم بدر شاكر السيّاب ، نازك الملائكة ، وعبد الوهاب البياتي . لقد سجّلوا شرف ريادتهم في هذا الميدان ليتبعهم الكثير من الشّعراء العرب مثل : الشاعر العربي الفلسطيني الكبير محمود درويش وفدوى طوقان وسميح القاسم ... ثمّ واكبتهم إبداعات في مجال فنّ الرّسم والنّحت لمجموعة من الرّوّاد أمثال جواد سليم،  وفائق حسن،  ونوري الرّاوي ، وعطا صبري وغيرهم . وقد ترك الفنّان جواد سليم صرح الحريّة ليبقى شاهدًا على احتضان الفنّ لقضيّة الإنسان العراقي ؛ ذلك الصّرح الذي ما زال يعكس ظلّ مواكب كفاح الثائرين في ساحة التّحرير . ربّما تتشابه الظروف الموضوعيّة التي تنبّئنا بالولادة الإبداعيّة، وإذا ما توغّلنا أكثر في حيثيّات واقعنا اليوم وقارنّاه مع واقع جيل الروّاد سنجد تماثلا يهدينا لمعرفة بعض أسرار حالة الإبداع. نازك الملائكة كتبت قصيدتها الحرّة الأولى وهي تشاهد وباء الكوليرا الذي كان يفتك بأحياء شعب يسوده الفقر والجهل مع وجود مخالب استعمارية تختفي وراء نظام برلمانيّ فاشل ومضطرب لا يستقرّ على حكومة تستطيع أن تعبّر عن إرادة الشعب أو تنتشله من مستنقعات التخلّف. أمّا بدر شاكر السّياب فقد كتب أنشودة المطر وهو يصارع المرض في غربته داخل وخارج الوطن ، ويسافر بذلك الجسد الهزيل تاركًا قلبه ينبض على ضفاف شط العرب ويغازل أزهار الدفلة وهي تتلألأ في حمرتها لتداعب سكون نهر بويب الذي كان يشق بساتين أبو الخصيب عند بصرة الحسن والخليل اِبن أحمد الفراهيدي . ثم عبد الوهّاب البيّاتي الذي كان يحاكي التّاريخ وجدانيًّا بين طلاسم رمزيّاته الأقرب إلى التّصوّف. كذلك كانت إبداعاته التي ينسجها معللاًّ غربته في مدريد الإسبانية، وكأنّه قمر شيراز الذي أشرق على بلاد الأندلس من تجليّاتِ ماضٍ لأمّة ذات يوم كانت عظيمة تمتدّ من الأطلسي إلى الصين. هذا الإبداع كان بالأمس يستنشق عبير العراق إلى صدور جيل الرّواد، واليوم تتصدّر نخبة من المثقّفين العراقيّين، ضبّاط سابقين وعلماء وأكاديميين يستمرّون في مواجهة الاحتلال بحدّ أقلامهم القويّة الصّادعة بالحقّ.. هم يسطّرون ملاحم تتصارع فيها الحقائق والأفكار، و لا تغمض لهم جفون في مقاومة وإفشال مشروع الاحتلال المزدوج إيرانيًّا وأمريكيًّا، هؤلاء الرّجال وغيرهم من المبدعين ينتشرون في كل بقاع العالم، يتشبّثون بمهمّات تمثيل إرادة شعب ممزّق يئنُّ تحت سطوة الإرهاب المنظّم الجاثم على صدره في صورتيه الدّاعشيّة والميليشيّة . إنّهما عملة واحدة يتداولها الأعداء لتسويق بضائع السّلب والنّهب وأعمال التّخريب أو جرائم القتل الجماعي والتّهجير بهدف التّغيير الدّيمغرافيّ المعدود بعناية ضمن استراتيجيّة رسم خرائط جديدة على مقاييس أحلام الصّهيونية العالميّة المتناغمة مع مشاريع أخرى تريد أن توقّف عجلة التّاريخ والتّطور بفرض أوهام إحياء لإمبراطوريّات مندثرة لا يمكن أن تعيش إلاّ في دهاليز التّخلف الاجتماعيّ والحضاريّ. لا يمكن أن تقلب الحقائق بالخداع وحشد الأكاذيب أو شهود الزّور. ولا يمكن إطلاقًا للباطل أن يحتّل القُلوب والضّمائر، لذلك يبقى العدوّ الغاصب مهزومًا جبانًا في أعماقه. أمّا الأوطان فهي أرحام خالدة لا تكلّ عن إنجاب الرّجال!
 هؤلاء المبدعون قد شهّروا أقلامهم لتنسلّ على أعداء العراق انسلال أسهم البواسل في ساحة المعركة؛ وهي تستمدّ مدادها من الدم والألم العراقي لترسم حقيقة الواقع على جدران ضمائر شعوب الأمم في غربتهم. هذا مثال حيّ تنقشه أنامل ضابط عراقي يعيش في بلجيكا اِسمه أنمار نزار الدّروبي، أسلوب إبداعي جديد يجتاز الحدود الكلاسيكية ليجعل من المقالة الصحفيّة قضيّة وطنيّة، يعرضها على منبر وكالة الحدث الدولية , وما أدراك ما هذه الوكالة ؟ إنها محكمة إعلاميّة وأدبيّة صارمة الحياد والموضوعيّة. هذه الوكالة لا تتعامل بلهجات النّفاق والتّملق الإعلامي، و لا تسوّق لحساب أيّ دولة أو نظام أو أيديولوجيّة ضيّقة الأفق . يديرها ضابط من أركان القوّات الخاصّة العراقيّة هو الأستاذ زياد الشّيخلي في لندن. لكن، السّؤال الأهمّ الذي يطرح نفسه هنا: أين مكمن الإبداع في العرض لنمط جديد من المقالات الصّحفيّة ؟ 
المقال عند الأستاذ أنمار الدّروبي ليس تعبيرًا عن رأي خاصّ حيال موقف محدّد يستقي معالمه من وسائل الإعلام وإن كان يرصدها بعناية، وإنّما اِستخدامَ الإعلام وتوظيفه كمادّة تحقيق جنائيّ تشبه طريقة مجالس التّحقيق العسكريّة، إذْ يبدأ بوضع عنوان غالبًا ما يشكلّ طوله نصف سطر، وكأنّه بذلك يؤدّي دور المدّعي العام. ثمّ يركّز على جوانب الدّعوى الأساسيّة.  وكثيرًا ما يختار فيه متّهمًا سياسيًّا ممّن جنّدهم العدوان لخداع شعبه، أو لصّا يتستّر في عباءة رسميّة ليخفي جرائم فساد. وهكذا يستهلّ الكاتب مقالته بكتابة فقرات متتالية أشبه ما تكون بالاتّهامات التي تعرض أمام قاضٍ يبقيه كاتبنا الدّروبي مستترا ؟ بالضبط يجعل القاضي الحاكم هو ضمير القارئ، ولن تنتهي مقالاته حتّى يتأكّد بأنّ العدالة الوطنيّة قد أخذت مجراها في ذهن القارئ القاضي. خلال متابعتي لمقالاته ودراستها من الجانب الفنيّ وجدته يترك التّفاصيل الصّغيرة ولا يطرق ما يمكن للقارئ أن يستنتجه بيُسرٍ   أو يدسّ ألغاما تُفجّر مواضيع أخرى تجعل من يتابعه يشعر بالمشاركة معه في المعالجة أو المحاكمة. ليس الأستاذ أنمار نزار الدّروبي فقط، وإنّما ثمّة المُفكّر والأستاذ سهل النّعمان الذي امتازت نصوصه بصبغة آسرة لا يُتقنها غيره، فكأنّما يُسلّط من خلال الأفكار والأحداث التي يستعرضها بدقّة متناهية الأضواء على ما يحدث وراء الكواليس، فيجعل ما يجري على وجه الأرض من أمور غامضة شفّافًا، وكأنّما الحقائق تبوح له بمكنونها. وأيضا، لن نمرّ دون أن نذكر مقالات الشّاعر المخضرم سياسيًّا وأدبيًّا وهو الأستاذ حميد سعيد الذي يوظّف الكلمات في نسق فنيّ يجمع بين النّثر المتشدّق بأحكام التّفعيلات العروضيّة ويختزل ثقّافته الموسوعيّة بطريقة رياضيّة قريبة من معادلات الجبر المعقدة ليمنح القارئ المثقّف بعدًا في التّفكير وهو يتابع كتاباته كي يستنتج صفحة كاملة إزاء كل سطر في المقال. وهنالك العالم العراقي الكبير الأستاذ عبد الكاظم العبودي الذي لا يمكن بأيّ حال أن أفي حقّه ولا أن أسمح لنفسي بتقدير جليل ما يسطّره، والأستاذ البصري مع كاتبات لمقالات بارعات من العراق تجسدهنّ السيّدة ولاء العاني، وكاتبات أخريات لا تتسّع مساحة هذا المقال أن نحتفيَ بهم جميعًا.  يقول الشّاعر الفلسطينيّ الكبير محمود درويش " قصائدنا بلا لون، بلا طعم ، بلا صوت، إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت  ~
 
قيم الموضوع
(3 أصوات)
نسرين ولها

كاتبة وشاعرة تونسية