ardanlendeelitkufaruessvtr

خيانات المثقفين

خيانات المثقفين
عواد علي
يعرّف المفكر والروائي الفرنسي جوليان بيندا، في كتابه “خيانة المثقفين”، المثقف بأنه “الشخص الذي تحركه قناعاته بمبادئ الحقيقة والعدالة، ورغبته في إدانة الفساد والدفاع عن الضعفاء والمظلومين، وتحدّي سلطات القهر والتخلف والفساد، لأنه يعي مسؤوليته إزاء ضميره، وإزاء أمته، وإزاء التاريخ الإنساني.
وقد استشهد بمعارضة الشاعر والكاتب فرانسوا فينلون لحروب لويس الرابع عشر، وبإدانة فولتير للاستبداد ومصادرة الحريات، ووقوف الروائي إيميل زولا ضد الظلم، وتصدي المؤرخ والكاتب إرنست رينان لعنف نابليون وحروبه، وإدانة الفيلسوف نيتشه لبربرية أبناء وطنه الألمان تجاه الفرنسيين، وغيرها من الأمثلة.
ويمكننا أن نضيف إلى هؤلاء الكثير على مدى نحو قرن مضى منذ نشر بيندا لكتابه، مثل ستيفان زفايج، وبرتولد بريخت، وجورج أورويل، وآرثر ميللر، وغونتر غراس، وآرثر كوستلر، وميلان كونديرا الذين عارضوا وازدروا الحكم الشمولي والنازية والمكارثية، إضافة إلى عدد كبير من مبدعي أميركا اللاتينية، الذين أدانوا الجنرالات الطغاة والمغامرين في بلدانهم، وكشفوا عن عوراتهم وتواريخهم الدموية.
إن الكاتب المنتج للفكر والأدب، شعراً وسرداً ونقداً، يُعدّ من صفوة الشريحة المثقفة، أو هكذا يُفترض أن يكون. لكن ما الذي يتبقّى له إذا استأصل ضميره وأصبح سادناً للحاكم المستبدّ السفّاح، ووضع نفسه في خدمته، وبارك جرائمه وكافأه على أنهر الدّم التي أهرقها؟ وكيف يمكنه أن يحافظ على شرف اسمه وقلمه وقد ارتضى بدور العبد وتلطّخ بعار لا يطفئه الدهر كله؟
رحم الله الكواكبي الذي فضح مثل هذا النّمط المنحطّ ممن ينتسبون إلى الشريحة المثقفة، بل أخرجهم من دائرة المثقّفين الفضلاء ورمى بهم في دائرة الخبثاء المرائين.
أستذكر موقف هذا المفكر العظيم وأنا أقرأ خبر زيارة أربعة كتّاب “فلسطينيين” (فلسطين براء منهم) إلى سوريا، المنكوبة بالطغيان، ولقاء نجاح العطار، نائبة سفّاح الشام، لمؤازرته على جرائمه، التي فاقت جرائم أعتى الطغاة في التاريخ، ضد شعب ثائر ينشد الحرية والعيش بكرامة. وقد بلغت الخسّة بهؤلاء الأربعة أن وقّتوا زيارتهم مع القصف العنيف الذي تتعرض له مدينة حلب بطائرات السفّاح، مدعوماً بالطيران الروسي، هذه الطائرات الحربية التي لم يجرؤ أن يستخدمها يوماً ما ضد قرية حدودية في إسرائيل، أو يجعلها تعترض طائراتها التي قصفت العمق السوري أكثر من مرة.
إن هؤلاء الكتّاب، الذين استحقوا وصف “سقط متاع الأدب الرديء”، يشكّلون أنموذجاً للكاتب الرخيص، الذي يتمادى في تدهوره الأخلاقي، ويكون لديه استعداد كامل لخلع قناعاته الفكرية والسياسية حسب كل مرحلة، ولصالح من يدفع أكثر، متمثّلاً سلوك “المومسات”.
كاتب من العراق
   

سراب/12
           

قيم الموضوع
(0 أصوات)