ardanlendeelitkufaruessvtr
تحسين الشيخلي
 
اتابع تحركات مرشحي القوائم الانتخابية ، معظمهم اذا لم يكونوا كلهم يتجهون صوب العشائر و القبائل لكسب اصواتها ... السؤال الذي راودني عن نفسي ، هل ما زلنا في عصر القبيلة ونحن ولجنا العصر الرقمي و هل لا زالت العصبية القبلية هي التي تتحكم بنا ؟
أبن خلدون في مقدمته يرى أن العصبية القبلية ظاهرة اجتماعية تحمل معنى وظيفي نظراً لكونها الوعاء الذي يحفظ حياة المجتمع الإنساني وأساس بقائه وصيرورته، وهي تؤدي إلى تنظيم علاقات القبيلة في الداخل والخارج، أي بين أفراد القبيلة الواحدة من جهة، وبين أفراد القبيلة والقبائل الأخرى من جهة ثانية، فتتأطر بموجبها العلاقات الاجتماعية كافة. وتقوم العصبية التي يقصدها ابن خلدون بين الأفراد الذين تجمع بينهم رابطة الدم، وتبقى مستمرة ومتفرعة بوجود هؤلاء الأفراد واستمرار تناسلهم، فينشأ بين أفرادها شعور يؤدي إلى المحاماة والمدافعة مع إحساس الفرد بأنه جزء لا يتجزأ من أهل عصبته، وفي هذه الحالة يفقد شخصيته الفردية بحيث تذوب في شخصية الجماعة.
لكن ما هو دور الثورة المعلوماتية وتطوراتها المتسارعة في تفكيك أو تحلل البنى الاجتماعية التقليدية عبر تغيير أنماط القيم السائدة في بعض المجتمعات المغلقة والمعزولة التي يتم الإلقاء بها فجأة في بحر العولمة الإليكترونية المتلاطم، الذي نقل العالم من قرية صغيرة حسب التعبير الذي شاع في أوائل تسعينيات القرن المنصرم إلى غرفة ضيقة مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي .
لا مراء في أن التكنولوجيا الرقمية أرست قواعد ثقافة إلكترونية عالمية، وتجلى الربط بين تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت متغيراً حيوياً ضمن آليات الحراك العام في مناطق عدة من العالم، ونجحت في الربط بسرعة هائلة وغير مسبوقة بين أناس في مختلف أرجاء المعمورة. وبإلقاء نظرة على آخر الإحصاءات المتعلقة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي نجد أن المشتركين في أحد مواقع التواصل الاجتماعي فقط، وهو الفيسبوك، على مستوى العالم بلغ عددهم قرابة ثلاثة مليار مشترك تقريباً، منهم ما يزيد قليلاً عن 80 مليون مستخدم في العالم العربي. كل هذا يدفع المرء إلى التساؤل: هل بوسع القبيلة أن تبقى وحدة اجتماعية متماسكة مع توزع اهتمامات وولاءات وانشغالات عشائرها وبطونها وأفخاذها وأفرادها وذوبانهم في كيانات إنسانية تتمدد فوق كوكب الأرض برمته؟ 
وهل تسهم وسائل التواصل الاجتماعي الإلكترونية في هذا الذوبان وتسرع منه أم تفعل العكس؟
لقد دفعتني لهفة العثور على أجوبة لهذه الأسئلة إلى تأمل التأثيرات الاجتماعية لوسائل التواصل الاجتماعي، أن العصبيات الافتراضية أصبحت سمة من سمات البنية الاجتماعية الجديدة، حيث أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل قبائل من نوع جديد تضم كيانات وعائلات يربطها العالم الافتراضي، فلكل مجموعة من الناس ترتبط بوسيلة تواصل اجتماعي معينة توجهات ورؤى واحدة كأنها عصبية قائمة بذاتها. فإذا كانت العصبية هي أساس قوة القبيلة والدافع لتغليب مصلحتها على المصلحة الوطنية، أو المصلحة العامة، فكذلك هو حال العصبية الافتراضية التي تمثل عماد قوة رابطة وسيلة التواصل الاجتماعي، والشعور بوحدة الأهداف والمصالح.
ولكن هل حقاً أدى نشوء تكتلات العالم الافتراضي إلى تحلل عصبية القبيلة بشكل كامل، وبالتالي فنحن أمام انتقال الفرد نهائياً من روابط القبيلة إلى روابط وسائل التواصل الاجتماعي الإليكترونية؟
في الواقع ان ما نتج عن الانخراط في شبكات التواصل الاجتماعي من تذويب هويات مجموعات من الأشخاص واندماجهم في عصبيات افتراضية لكل منها سماتها وأنظمتها وتقاليدها داخل وسيلة التواصل الاجتماعي، نجد أن الانتقال من العالم الحقيقي إلى العالم الافتراضي في فضاء الإنترنت فتح آفاقاً جديدة لتعزيز عصبية القبلية ولم شتات أفرادها. وفي سياق البرهنة على هذه الحقيقة تجدر الإشارة، على سبيل المثال، إلى ظاهرة إنشاء صفحات على موقع فيسبوك وحسابات على موقع تويتر لتضم أبناء القبيلة المتفرقين حول العالم، ناهيك عن المنتديات القبلية الافتراضية على الشبكة العنكبوتية وما تشهده من تواصل أبناء القبيلة الواحدة ومناقشة قضاياها، الأمر الذي يعيد طرح الاستنتاج النهائي لنظريات التحديث وهو القديم لا يمكن أن يموت كله.
وعلى أي حال فإنه لا يمكن الجزم بأن تأثير العولمة الإليكترونية على البنى الاجتماعية التقليدية قد بلغ منتهاه، فالتطور في عالم الاتصالات وتقنية المعلومات ماض في سرعة لا هوادة فيها، ما ينبئ بمزيد من التحولات، ومن ثم مزيد من الأسئلة حول كثير من المسلمات الاجتماعية الراهنة ومدى صمودها أمام التغيرات التي ستفرضها معطيات الثورة المعلوماتية.
قيم الموضوع
(0 أصوات)
د. تحسين الشيخلي

كاتب واكاديمي عراقي