ardanlendeelitkufaruessvtr

حديث الخميس: تغير قواعد النقد/2

حسان الحديثي 
 
النصوص الادبية -كباقي الفنون- تختلف وتتباين في تأثيرها في قلب القاريء وأُذن السامع ولأن المقارنة بين الأشياء من اطباع العقل البشري التي جبله الله عليها فإن كل نص ادبي معرض للمقارنة مع ما يُكافِئهُ من جنسه من النصوص ان كان شعرا فشعر، وان كان نثراً فنثر لإظهار مواطن الجمال والقباحة والقوة والضعف فيه،  وربما من هنا اتت وانطلقت فكرة النقد فإن اصل النقد هو الانطباع الذي يتركه لدى المتلقي ليقوده الى المقارنة والمفاضلة، 
ولكي يخضع اي نص لميزان النقد يجب ان يصل هذا النص الى درجة ومرتبة النقد نفسه،  بمعنى انه لن يخضع نص للنقد ولن يلتفت اليه احد ما لم يصل هذا النص في جودته الى مرتبة ان يستحق النقد، فالنقد هو المرتبة الأُولى لجودة النص قبل ان يكون -اي النقد- علماً وفناً لغربلة النصوص واظهاراً للغث منها قبل السمين وان ظهور فن النقد بعد الادب يفسر ذلك فظهور النقد هو حاجة ملحة وضرورة افرزتها كثرة المقارنات والمفاضلات بين النصوص فكان ظهور النقد بعد الادب كباقي العلوم التي ظهرت بعد ظهور الفنون بزمن طويل كظهور قواعد النحو بعد الكلام وظهور علم العروض بعد الشعر وكذا ظهور علم المقامات والانغام بعد الموسيقى وهذا يؤكد ان ظهور هذه العلوم هو حاجة وضرورة وليس ترفاً ولا ابتذالا لتكون هذه العلوم بمثابة القوانين والدساتير التي تحدد مسارات كل فن.
 
غير أن عِلمَيّ النحو والعروض خضعا لقوانين احكمت قواعدهما وحددت مساراتهما ولم تجعل لحَملة هذين العلمين الا حيّزا بسيطا للرأي والتنظير والاضافة، اما النقد فهو وان -احتوى على كثير من النظريات- الا انه ما يزال علماً فضفاضاً فيه سعةٌ وحيّزٌ للتنظير المعتمِد على اختلاف الأذواق والرؤى والميول لكل ناقد،  كما انه يختلف ويتغير بتغير الزمن وتغير الذائقة. 
 و اما النصوص التي لا تصل مرتبة النقد وتتصف بالضعف او القباحة او تتسم بالاسفاف والسذاجة بما ينفّر منها الارواح حري بها ان تذهب الى زوايا الذاكرة المظلمة البعيدة التي لا يصلها ضياء التذكر ولا نداء الاستدعاء لتغور وتذهب في بئر النسيان.
 
والانطباع هو اول النقد والذي يبدأ بالإعجاب ولعل سائلاً يسأل ماهو الإعجاب؟ ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد رواية عن عبدالله ابن جعفر حين سمع بُديحاً المُغني يغني -وكان حَسنُ الصوت- حرّك رأسه وحين سُئل عن ذلك قال: هي أريحية أجدها، لو لاقيتُ عندها لابليت، ولو سُئلت عندها لأعطيت
والإعجاب هو اريحية يشعر بها السامع والقاريء ثم يتبعها القبول والميول ثم الانجذاب ثم الدهشة والمتعة، ومن شروط جمال النصوص كمالُها وتمامُها ولأن النصوص من كلام البشر مرفوع عنها التقديس والكمال فلن تصل الى درجة الجمال التام  مهما اقتربت منه -وتقاس جودة النصوص باقترابها من درجة الكمال -دون ان تصله ولو حرص الكاتب كل الحرص- لانها صادرة من غير مقدس
 
ومن شروط الجمال في النصوص خلوها من النقصان وخلوها من الزيادة ايضا قيل للشعبي، إنا إذا سمعنا الحديث منك نسمعه بخلاف ما نسمعه من غيرك فقال إني أجده عاريا فأكسوه من غير أن أزيد فيه حرفا أي من غير أن أزيد او انقص فيه شيئا والزيادة في هذا الباب كالنقصان، وللزيادة اكثر من ضرب فمنها ما جاء على هيأة حشو كقول البحتري:
بودِّيَ لو يَهْوَى الْعَذُولُ ويَعْشَق ... فيعلم أسْبَابَ الْهَوَى كيف تَعْلَقْ
 
ويعشق هنا حشو زائد لانه قدم بـ "يهوى" كذلك قوله:
سُلِبوا وأشْرَقَتِ الدماءُ عليهم ... مُحْمَرَّةً فكأنهم لم يُسْلَبُوا
 
فبالرغم من المبالغة الهائلة وجمال التشبيه وروعته الا انه زاد عليه بقوله "محمرة" وهي حشو زائد رديء انقص من جمال المعنى لأن الدماء لا تكون الا حمراء. 
 
ومنها ما جاء على هيأة اعادة وتكرار كقول ابي نواس:
يَابْنَ الذينَ فَنُوا وبَادُوا ... أمَا واللهِ ما ذَهَبُوا لِتَبْقَى
 
ثم عاد فكرر المعنى في بيت آخر بقوله:
وما الناسُ إِلاَّ هَالِكٌ وابْنُ هَالِكٍ ... وذو نَسَبٍ في الْهَالِكِينَ عَرِيقُ
 
وكان يكفيه احد القولين ليرسل حكمته ويضرب مثله، 
 ومن التكرار ايضاً ما يأخذه الشعراء من المعاني ممن سبقوهم او ما يسمى بالـ "سرقات" فيبقون على المعنى ويغيرون اللفظ والبناء وقد اورد ابو الهلال العسكري صاحب كتاب "فن الصناعتين" عن تداول المعاني ذاكرا احد المعاني وقد تداوله الشعراء في عصور وازمنة مختلفة وقد ابتدأه الأفْوه الأودي وهو شاعر من اليمن عاش بحوالي خمسين عاما قبل الهجره اذ يقول:
وترى الطَّيرَ على آثارِنا ... رأْيَ عَيْنٍ ثِقَةً أنْ سَتُمار 
 
ومعنى "ستمار" اي ستغنم ومارَ أهلَه أعدّ لهم الميرَةَ وهي المؤونة قال رب العزة: هَٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِير.
 
فتبعه النابغة واخذ المعنى فقال:
إذا ما غَزَوْا بالجَيْشِ حَلَّقَ فَوْقَهُم
عَصـَائِبُ طَـيْـرٍ تَهْـتَـدِي بعَـصَائِبِ
 
جَــوَانِــح قــد أَيـْقـَنَّ أنَّ قـَبِـيـلـه
إذا ما الْتَـقَى الجَمْعَانِ أوَّلُ غَالِبِ
 
ثم.اخذ المعنى بعده أبو نواس فقال:
تَتَأَبَّى الطَّير غُدْوَتَه ... ثِقَةً بالشِّبْع مِنْ جَزَرِه
 
ثم اخذه بعد ذلك مسلم بن الوليد فقال :
عوِّد الطيرَ عادات وثُقنَ بها ... فهُنَّ يتبَعْنهُ في كلّ مرتحلِ
 
ثم اخذه ابو تمام فقال:
أقامت مع الراياتِ حتى...كأنها من الجيشِ ألا أنها لم تُقاتِلِ
 
و قوله "اقامت مع الرايات " اي الطير تقيم و ترحل معهم طمعاً بالمغنم من قتلى العدو .
فبقي المعنى في كل ماسبق من النماذج والذي تغير هو اللفظ و الصنعة و البناء.
 
وكذلك قول ابن الرومي في قوله:
كأنّ أباه حينَ سمَّاه صَاعِداً ... رأَى كَيْفَ يَرْقَى في المعالي ويَصْعَدُ
 
أخذه من قول البحتري:
سماه أسرتُه العَلاَءَ وإنما ... قصدوا بذلك أَنْ يَتِمَّ عُلاَهُ
 
ويظن البعض ان سرقات المعاني امر جديد مستحدث وهو قديم قدم الشعر. 
 
يتبع الاسبوع القادم ....
قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الخميس, 23 آب/أغسطس 2018 20:18
حسان الحديثي

حسان الحديثي
عراقي من مواليد مدينة حديثه/العراق ويعيش حالياً في المملكة المتحدة
كاتب وباحث ودارس في ألادب العربي وتاريخه
يكتب في عدد من الصحف والمواقع الادبية
له كتاب ” حديث الخميس" بجزأين
ومخطوطة ” والسياب شاعر الانسانية الاكبر ”