ardanlendeelitkufaruessvtr

البحث في المعرفة ، تنمية للمستقبل..

تحسين الشيخلي . 
مدير مركز بحوث دراسات المستقبل - لندن
 
لا شك أن للمعرفة بريقاً خاصاً لدى كل إنسان، فهي غذاء للعقل الذي ميزه الله به عن سائر مخلوقاته، حيث إنها المادة الخام اللازمة لعمل هذا العقل، كما أنها مصدر تحفيز للتفكير وتقديم عطاء معرفي متجدد شارك فيها جميع البشر، في كل مكان، عبر مرور الأزمان. ولعل كلمة (معرفة ) تصبح أكثر جاذبية عندما تقترن بكلمة ( مجتمع )، ففي هذا الاقتران تصبح المعرفة، وما تستند إليه من علم وتفكير، المحور الرئيس لحياة الأنسان وثقافته، وجهوده ومنجزاته وعلاقته مع أخيه الأنسان.
يمكن تعريف مجتمع المعرفة بأنه كل مجتمع تعد فيه المعرفة مصدر الأنتاج الأول، بدلا عن رأس المال أو القوة العاملة. وهو يشير إلى المكانة التي يوليها مجتمع ما للمعلومات، حيث يستخدمها، بعد إيجادها ونشرها، لتحقيق رفاهية مواطنيه وازدهارهم. ويتسم هذا النوع من المجتمعات بكون المعرفة مكوناً رئيساً في أي نشاط إنساني فيه. ويعتمد فيه على المعلومات والمعارف في جميع أوجه النشاط الأنساني سواء في المجال الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو الثقافي. أي أن مجتمع المعرفة هو المجتمع الذي تكون المعرفة فيه أحد قوى الأبداع والأبتكار. 
ولعل بين أهم ما يميز القرن الحادي والعشرين ثلاث صفات رئيسة متكاملة ترتبط بقضايا المعرفة. وتشمل هذه الصفات: تسارع إنتاج المعرفة، بل التنافس في ذلك ، وتوظيف المعرفة بكفاءة وفاعلية من أجل التنمية ، إضافة إلى تزايد التكامل المعرفي حول العالم. وتعد الاستجابة لهذه الصفات أمراً حيوياً لمواكبة العصر، والتأثر
ُ والتأثير فيه. فلم يعد الأهتمام بالمعرفة قضية تحتمل الأختيار، بل بات هذا الأهتمام ضرورة لا بد منها.
وترتبط المعرفة التي ننشدها بمبدأ مهم من مبادئ إدارة المعرفة، ألا وهو مبدأ التركيز على المعرفة المفيدة، سواء على المدى القريب أو على المدى الأبعد. وفي هذا الأطار، تبرز مسألة التمييز بين المعرفة المفيدة والمعرفة غير المفيدة، ومن خلال هذه المسألة تظهر قضية الأولويات المعرفية التي تعد واحدة من قضايا التخطيط وتحديد التوجهات المستقبلية. ولا شك أن هذه الأولويات تتضمن جانباً عاماً يهم العالم بأسره، وجانباً خاصاً يرتبط بهذه الأمة أو تلك، تبعاً لمتطلباتها وإمكاناتها وما هو متوفر لديها، وجاهزيتها للعمل والعطاء وقدرتها على المنافسة في الحقول المعرفية المختلفة .
ويسعى مجتمع المعرفة إلى تفعيل المعرفة المفيدة في المجتمع.ويشمل ذلك تفعيل النشاطات في ، توفيرها وتوفير سبل الوصول اليها ، نشرها وتعزيز استيعابها وإدراك معانيها ومعطياتها عبر أنظمة تعليم وتدريب متقدمة تواكب معطيات العصر، إنتاج المزيد من المعرفة من خلال البحث العلمي والأبداع والابتكار، توظيفها والاستفادة منها في الحصول على قيمة معينة، قد تكون اقتصادية، أو أجتماعية، أو إنسانية تسهم في التنمية الشاملة .
وتجدر الأشارة إلى أن مجتمع المعرفة المنشود ليس بحوثا ومبتكرات علمية وتقنية يمكن توظيفها لتقديم منتجات وخدمات متميزة تؤدي إلى توليد الثروة فحسب. وليس كذلك تعليماً ونشراً للمعرفة العلمية والتقنية يحقق إسهام الجميع في توليد هذه الثروة ومشاركتهم فيها.كما أنه ليس ثقافة تخاطب الأنسان وتحفزه على التفكير وسلوك طريق الحكمة والتواصل الأيجابي مع الاخرين في حياته الشخصية والاجتماعية والمهنية. بل إن مجتمع المعرفة هو كل ذلك. إنه تفاعل متواصل للمعرفة المفيدة يحفز استيعابها وتوليدها، ويعزز انتشارها وشراكة الجميع فيها، ومسؤوليتهم عن توظيفها والاستفادة منها اقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً.
يسعى البحث العلمي إلى إنتاج مخرجات معرفية مفيدة. وترتبط هذه المخرجات بطبيعة البحوث التي تنتجها. وتقوم منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) بتقسيم طبيعة البحوث إلى ثلاثة أقسام رئيسة، لكل منُها مخرجات تحمل صفات تختلف عن صفات مخرجات الأقسام الأخرى. وفيما يأتي عرض لأقسام البحوث وبيان لما تقدمه من مخرجات.
* البحوث الأساسية، وتعطي أفكاراً نظرية وأعمالا تجريبية غايتها تقديم مخرجات معرفية جديدة في أسس الظواهر الطبيعية وملاحظة الحقائق المرتبطة بها، دون رؤية تطبيقية مستقبلية واضحة لها.
* البحوث التطبيقية، وهي أيضاً تهتم بتقديم مخرجات معرفية جديدة، ولكن في إطار هدف أو توجه تطبيقي محدد.
* بحوث التطوير، وتستند إلى مخرجات معرفية متوفرة، تم الحصول عليها، ربما من بحوث تطبيقية أو خبرات سابقة، حيث تسعى هذه البحوث إلى توجيهها نحو تقديم مواد أو أجهزة جديدة، أو ربما تكوين أنظمة أو إجراءات أو خدمات، أو حتى تحسين أنظمة قائمة فعلا.
تسهم مخرجات هذه البحوث في التنمية على فترات زمنية مختلفة. فمخرجات بحوث التطوير تدعم التنمية ضمن إطار زمني قريب، أما مخرجات البحوث التطبيقية، فتسهم في التنمية على مدى أبعد، ويبقى إسهام مخرجات البحوث الأساسية في التنمية مؤجلا. ويعتمد هذا الأسهام على تقدم البحوث التطبيقية وبحوث التطوير، وحاجة هذه البحوث إلى الأستفادة منها. فالبحوث الأساسية تحمل رصيداً معرفياً يتميز بقيمة مستقبلية كامنة.
هذا يعطينا مؤشراً على حاجة التنمية السريعة إلى الاهتمام ببحوث التطوير لأن مخرجاتها تتمتع بقدرة أكبر على الأسهام في التنمية على المدى القريب. ولكن لا يجوز بالطبع إهمال أهمية مخرجات البحوث الأساسية والتطبيقية لأن فيها المعرفة الجديدة الواعدة، ولو أن إسهامها في التنمية يأتي بعد حين.
وتجدر الأشارة إلى أن الجامعات في مختلف أنحاء العالم، تركز في بحوثها للدراسات العليا على البحوث الأساسية والبحوث التطبيقية ، ويتوازن ذلك، في الدول الصناعية، مع تركيز المؤسسات الأنتاجية على بحوث التطوير. وكثيرا ما يتحالف الطرفان في بحوث تعاونية، من خلال إسهامهما في إقامة حدائق علمية وتقنية، توفر بيئة معرفية تنموية مشتركة. وتعطي هذه البيئة المحتوى المعرفي الفاعل والقادر على العطاء.
قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الثلاثاء, 24 نيسان/أبريل 2018 00:35
د. تحسين الشيخلي

كاتب واكاديمي عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It