ardanlendeelitkufaruessvtr

الانتحار ودولة الجباية

الانتحار ودولة الجباية
انتحار مواطن ليس إهدارا لروح، بل إهانة لجهاز الحكم، ويسأل عنها أكبر رأس في الدولة، وهو دلالة على تساوي الحياة والموت.
المواطن ضحية إجراءات التقشف
لا أعرف مصير الشاب الذي حاول الانتحار يوم السبت 12 مايو 2018، احتجاجا على رفع أسعار تذاكر شبكة مترو الأنفاق بالقاهرة، لتصل الزيادة غير الآدمية إلى 250 في المئة.
 قبل عشر سنوات كان مثل هذا السلوك الانتحاري اعتراضا شخصيا، خلاصا فرديا يخلو من العلانية، مصيبة عائلية للأقارب والأصدقاء والجيران. وما كان هذا الشروع في الانتحار حادثا عابرا، فبعد دقائق شاهده الملايين خارج مصر، وربما تابعه البعض في بث مباشر تتيحه مجانا وسائل التواصل الاجتماعي، وهي لا تعترف بقوانين الرقابة على النشر، وتهزم بالتكنولوجيا عقليات قديمة لا تعي أن الدنيا تغيرت.
 في 24 أبريل 2018، تعرضت القاهرة لأمطار غزيرة، وأغرقت السيول أحياء سكنية وحاصرت طرقا، وكشفت عورة أجهزة تتغنى بإنجازات ذات طابع إعلاني.
 وفي صباح اليوم التالي استطاع مقطع فيديو مدته 59 ثانية أن يهزم آلات إعلامية لا تتحلى بشيء من الصدق الذي حمله صراخ امرأة وحيدة، لم تكن وحيدة تماما، ففي دقائق احتوتها أجهزة كمبيوتر وشاشات هواتف في أيدي الملايين خارج الحدود، ورأوها تغادر سيارتها مع أول ضوء للنهار، وتطلعهم على ملامح الطريق الدائري الذي تحاصر فيه هي وابنتها، وأصحاب سيارات معطلة منذ العاشرة من مساء اليوم السابق، لمدة ثماني ساعات، من دون أن يبالي باستغاثاتهم مسؤول.
 لم تعد الصرخات بحاجة إلى منصات إذاعية وتلفزيونية تتلقى اتصالا وتذيعه مباشرة، أو تسجله لكي تنتقي منه ما يليق بالنشر. هنا كان البث مباشرا، لا يتدخل فيه مونتير ولا يمنعه رقيب حكومي.
    مشهد الشاب الذي حاول الانتحار السبت في مصر يلخص غضب طبقات اجتماعية منتجة مسحوقة لصالح أخرى مترفة
 فات رفاق محمد البوعزيزي أن يوثقوا لحظة احتجاجه، وهذا درس يعيه جيدا جيل أنضجته انتكاسات الثورات العربية، ويذوق الآن مرارة صعود موجات من القوى المضادة للثورة.
 لا يوجد مقطع فيديو لمشهد الحريق الذي التهم كراسي الحكم وغيّر الحكام في تونس ومصر وليبيا واليمن. تابعنا المشهد التالي للحريق، وكان البوعزيزي في المستشفى، ينام في صمت، راضيا عن نفسه، ينتظر أن تتحرر روحه، وقد ضاق بغطاء أبيض يلف جسده، ما عدا فتحة ضيقة تسمح له بالتنفس، كان غائبا عما حوله، متوحدا بذاته في جلال، غير معنيّ بغطاء آخر يكسوه من القدمين إلى الصدر، غطاء ملون، نظيف لا يجرح كاميرا ترصد لحظة امتنان من دكتاتور لا يتنازل عن أناقته، يزوره لإبراء الذمة، وامتصاص سحب الغضب. كان زين العابدين بن علي في متاهة أيامه الأخيرة يقف وسط فريق طبي، وامتدت ذراع تحمل ميكروفونا للتفزيون الرسمي، لتسجيل ما قد يتكرم بقوله، الرئيس لا الشهيد بالطبع، وقد استعد تماما، ببدلة داكنة، وأسى مصطنع، ووجه خال من الندم، وشعر مصبوغ، ومصفف بعناية، وعقد كفيه أمامه، اليسرى فوق اليمنى.
 لا أتوقع تكرار ذلك المشهد في مصر للشاب الذي ألقى بنفسه على قضبان المترو؛ لأن القطار حاسم، لا تسمح قضبانه ليائس بترف النجاة. هذا اليائس يمارس عنفا شخصيا، لا يتوجه به إلى أحد، ولا يستهدف به إلا نفسه، ولكنه عنف مثقل بالرسائل إلى من يفهمون.
 من هذه الرسائل أن روح مواطن يكتسب عيشه بشرف لها قداسة، وهي أكثر أهمية من أي قلاع يباهون بتشييدها. وأن دولة الجباية عمرها قصير، تعيش أيامها الأخيرة على أجهزة تنفس صناعي اسمها دماء الفقراء وأموالهم القليلة، في حين تتحالف حكوماتها المستأسدة على البسطاء مع رجال المال، ولا تمسهم بإجراء لا تتردد في اتخاذ مثله دول قوية تحترم آدمية مواطنيها.
تذكرة مترو تقتل حلم الشباب تذكرة مترو تقتل حلم الشباب
 انتحار مواطن ليس إهدارا لروح، بل إهانة لجهاز الحكم، ويسأل عنها أكبر رأس في الدولة، وهو دلالة على تساوي الحياة والموت. ولا يقدم على ذلك إلا نبلاء بلغوا ذروة العجز، وتمنعهم كبرياؤهم أن يرتكبوا جرائم ماسة بالشرف، كالرشوة والاختلاس. ولكن غيرهم ربما يترجمون التمرد إلى سلوك، فيتأسون بأبي ذر الغفاري، ويشهرون غضبهم على المجتمع، وخصوصا من يرونهم لصوصا سرقوا قوتهم وأعمارهم، وصادروا حرياتهم بما فيه حقهم في الاعتراض اللفظي، فيلجأون إلى الاعتراض الجسدي العنيف.
 مشاهد الغضب والاحتجاجات، وهي رسائل مصورة عابرة للحدود، نقلت من محطات المترو رسائل تذكّر بالأيام الأخيرة لحسني مبارك، حين سقطت هيبته، وتوجه إليه الساخطون بسباب صريح أكثر دلالة من عنف جسدي يمثل هذا الشاب اليائس طرفا منه.
 مشهد الشاب يلخص غضب طبقات منتجة مسحوقة لصالح أخرى مترفة. الشاب ومن يمثلهم ربما لا يعرفون ماركس، ولم يقرأوا أدبيات الصراع الطبقي، ولكنهم بالحس الحضاري يعرفون أسباب قيام الثورات، فهم أدواتها ووقودها.
راجعت ما كتبه جيمس ديفيز في كتابه «نحو نظرية للثورة" عن بلوغ الأنظمة مستوى من الفشل لا يفيد معه الإصلاح، وهنا تندلع الثورات التي «تسبقها عادة فترة من النمو الاجتماعي تؤدي إلى ارتفاع مستوى الطموح، يليها فجأة انهيار حاد يؤدي إلى انخفاض مستوى القدرة على الإنجاز".
 وما كانت ثورة 25 يناير 2011 إلا ذروة لطموح مشروع إلى العدالة، وشوق إلى حريات دفعت فيها أثمان باهظة، ثم تآكل هامش الحرية، ويتوالى الانقضاض على الفقراء بإجراءات تقشف ظالمة.
 في 18 و19 يناير 1977 انتفضت البلاد احتجاجا على رفع أسعار بعض السلع، واستقر في الضمير العام توصيف لما جرى بكلمتي «انتفاضة يناير»، على الرغم من إلحاح أنور السادات وإعلامه على أنها "انتفاضة الحرامية".
 وأمام الضغط الشعبي تراجعت الحكومة عن قرارات رفع الأسعار، مع "منح العلاوة الإضافية". تصرف السادات انطلاقا من ثقته بشرعية انتصار أكتوبر 1973، وبعد الانتفاضة، أدار ظهره للشعب، وبحث عن ظهير آخر، وخرجت مصر من المعادلة العربية، ومدت اليد إلى معونة مهينة، وخطت إلى تبعية لم تخرج من فلكها رغم ثورة 25 يناير. فشلت الثورة ولكنها أكسبت الجيل الجديد وعيا ووعدا بما هو آت.
روائي مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It