ardanlendeelitkufaruessvtr

الأمراض النفسية

   
الأمراض النفسية
هيفاء بيطار
تنتشر الأمراض النفسية في عصرنا الحالي وتستشري في بنية المجتمعات البشرية بأسرها، فالزمن هو زمن اللهاث والتنافس الشرس الذي يورث القلق والإحباط، وبما أن الإنسان تحول لآلة تصنيع في المجتمعات الرأسمالية -ممنوع أن تعطل وإلا تُلفظ خارجا- فإن هذا الوضع يؤدي إلى أن حاجاته الإنسانية الروحية والنفسية تتوارى وراء ستارة، وتعمل هذه العوامل في الخفاء بقوة وإلحاح إلى أن تخرج عن حدود سيطرة الإنسان، فلا يعود يتعرف على نفسه ولا يُسيطر على ردود أفعاله، ويبدو الأمر كما لو أنه خيانة الأنا للأنا في أقسى حالاتها. عندما يُدرك المرء أن ذاته لم تعد ذاته وأنه أمام مجهول لا علم له بمساره، لا تعود الحياة هي الحياة ويُصبح السواد مكلّلا للكل ويرتفع صوت الموت والفناء عاليا مجلجلا فوق كل الأصوات، وتتسلل الأسئلة الوجودية من مخابئها الدفينة وتتكاثر عن معنى الحياة وغايتها وأهميتها.
العقل السليم في الجسم السليم، عبارة يعرفها الجميع بل تبدو بديهية، لكن كم من البشر يخجلون من المرض النفسي ويعتبرونه عارا ووصمه جنون، حتى أن كلمة جنون تطلق على كل أنواع الأمراض النفسية. ولأول مرة تم فصل عبارة جنون عن المرض النفسي وهو الذهان الهوسي الاكتئابي عام 1958. فالنفس البشرية تتعرض لشتى أنواع الاضطرابات والأمراض النفسية مثلها مثل الجسد تماما وهي تحتاج لعلاج والأهم أدوية، إذ ظل فريق كبير من الأطباء والعلماء يرفضون استخدام الأدوية النفسية ويعتمدون على مجرد التحليل النفسي وهذا ما أثبت العلم خطأه.
ولا بد من الإشارة لكتاب مذهل هو “عقل غير هادئ” لكاتبة أميركية نفسانية هي كاي جاميسون عانت هي نفسها من هذا المرض وكتبت بنزاهة عن معاناتها الرهيبة مع هذا المرض، والأهم أكدت على ضرورة وأهمية تناول الأدوية النفسانية مثل الليثيوم والبروزاك رغم الآثار الجانبية لهما.
الذهان الهوسي الاكتئابي هو مرض العصر حيث يعاني منه الملايين من البشر لكنهم وبحكم الخجل والنظرة الاجتماعية الظالمة والمجحفة بحق الأمراض النفسية يخفون معاناتهم، ويُسمى أيضا بالمرض ثنائي القطب حيث يتأرجح المريض بين نوبات من الهياج المفرط وفرط النشاط والإثارة والبهجة المرضية وبين حالات من الاكتئاب الحاد وانعدام أيّ نشاط حتى الاستحمام.
وثمة نقطتان مهمتان في هذا المرض يجب أن يعرفهما القارئ وهو أن مرض الذهان الهوسي الاكتئابي يُورّث للأجيال القادمة وهذا ما يسبب مشاكل للمجتمع حيث يزيد عدد المرضى النفسانيين، والنقطة الأخرى هو علاقة هذا المرض بالإبداع فكم من الفنانين والمبدعين والعباقرة كانوا يعانون من المرض ثنائي القطب.
المرض النفسي ليس وصمة عار فالملايين من البشر يعانون من مرض الذهان الهوسي الاكتئابي، أو ما يُسمى الاضطراب ثنائي القطب، وهو مرض المشاهير كما أسلفنا وتبدأ نوبة الهوس بارتفاع كبير في المزاج لدرجة غير متناسبة مع الظروف، ويتراوح من التفاؤل المفرط إلى النشوة وتفخيم الذات وانخفاض الحاجة للنوم، كما قد يؤدي إلى إهمال النظافة الشخصية والأكل والشرب، مما يسبب حالة خطيرة من إهمال الذات. أما نوبة الاكتئاب فتتميز بهبوط حاد في المزاج وانخفاض الطاقة الحيوية وفقدان تقدير الذات، وتصبح نظرة المريض للحياة سوداوية ويُمثل الانتحار خطرا مُحتملا في الحالات الشديدة.
تترافق هذه الأعراض بانخفاض كبير لهورمون السيروتونين في الدماغ، والعلاج الأمثل لهذه الحالة هو دواء الليثيوم وهو يفيد في الوقاية من المرض أيضا، كذلك دواء البروزاك، ويجب أن نحارب فكرة مدمرة وخطيرة وهي الخجل والإحساس بالعار ونفور الناس منّا لأننا نعاني مرضا نفسيا، فالنفس تمرض كالجسد وتحتاج لصيانه وعلاج كالجسد، ومهما كانت عواقب استخدام الليثيوم والبروزاك مزعجة فهي أفضل بما لا يُقاس من الصمت والخداع وراء الاختباء خلف درجة علمية أو لقب علمي، فهذا الخداع مؤذ جدا. والناس عموما مشغولون في حياتهم الخاصة ونادرا ما يلاحظون يأس الآخرين خاصة إذا قام اليائسون بقليل من الجهد لإخفاء الألم.
النفس تمرض كالجسد بل أمراضها أصعب من أمراض الجسد وهي تحتاج لعلاج ودواء. النفس البشرية التي تتعرض لضغوط هائلة تتعب وتنهار أحيانا وهي تحتاج إلى عكازات من الأدوية والمحبة من قبل المحيط وصبر كبير ونُبلٍ، كل ذلك مجتمعا يُمكن أن يُعيد تركيب قطع الروح المتناثرة والممزقة من الضغوط والتعب. فحبذا لو تتغير نظرة الناس للمرض النفسي ويعتبرونه عاديا كالمرض الجسدي وكما قال جبران خليل جبران “الجسد هو المكان الذي تسكن فيه الروح”.
كاتبة من سوريا
   


سراب/12
           

قيم الموضوع
(0 أصوات)