ardanlendeelitkufaruessvtr

الحكيم واللئيم

الحكيم واللئيم
مراد البرهومي
ديشامب المتغطرس والمتردد واصل تجاهل كريم بن زيمة، وأكد للمرة المليون أنه يناصب العداء لكل من لا يتفق معه حتى وإن كان قادرا على تقديم الدعم والمساندة.
ديشامب لئيم
يحكى عن رجلين عاشا في الأزمنة الغابرة، كان من صفوة القوم وقد اختارهما ملك ذلك الزمان على رأس جيشين، جيش يحرس حامية الجنوب وآخر يرابط في المدخل الشمالي، كان هدفهما المشترك هو نيل رضاء الملك وخدمته بكل السبل، لأن الغاية الأسمى هي قيادة الجيش مجتمعا متى انتهت الحرب مع “الجيران”.
كان قائد الجنوب رصينا وهادئ الطباع، يحسن التعامل مع جنوده ويغدق عليهم كلما تحقق نصر في إحدى ساحات الوغى. كان يختار بدقة متناهية أفضلهم ويعينهم في الصفوف الأمامية، كان عندما يتأهب لغزوة أو معركة لا يستثني أحدا ويمنح الفرصة أمام الجميع لإثبات الجدارة.
أما قائد الشمال فقد كان في طبعه مختلفا تماما، إذ يعمد دوما إلى ترهيب جنوده المتقاعسين ولا يتورع عن معاقبة قليلي الخبرة، والأكثر من ذلك أنه لا يتردد بالمرة عندما يقرر إقصاء جنوده المخلصين ويمنح الفرصة لمساعدين يفتقدون للقوة، كان تعامله مع جنده يعتمد ببساطة على سياسة “فرق تسد”.
في نهاية المطاف وبعد أن وضعت الحرب أوزارها “فاز باللذة” الحكيم وتم تعيين “حارس حامية الجنوب” قائدا عاما على كل الجيوش، أما القائد الآخر اللئيم فقد أعفي نهائيا من مهامه وأجبر على العزلة وتجرع طعم المرارة والخسارة.
حديثنا المطول عن هذين القائدين يجرنا حتما للحديث عن مدربي بعض المنتخبات التي تتأهب للمشاركة في كأس العالم روسيا 2018. لم أجد أبلغ من هكذا توصيف واستدلال عند الحديث عن مدربي منتخبي ألمانيا يواكيم لوف وفرنسا ديدييه ديشامب.
فالأول حافظ على منصبه للسنة الثانية عشرة تواليا، أما الثاني فقد يغادر من الباب الصغير في أعقاب المونديال، خاصة وأنه حمل معه بذور الفشل وحافظ عليها بعناية.
فقائد حامية “جرمانيا” ذلك الحكيم لوف، اهتم بأبسط التفاصيل وأقلها أهمية وواصل عملية البناء التي بدأت منذ خسارة الدور نصف النهائي في مونديال ألمانيا سنة 2006. لقد أعاد تشكيل “الجيش” ونصّب نفسه قائدا متواضعا حكيما رصينا تماما مثل قائد الجنوب، كان يحرص على حماية لاعبيه ويحسن انتقاء الأفضل منهم دون غطرسة وعجرفة.
ثم واصل المسيرة بثبات بعد أن كسب التعاطف من جنده والتأييد من “المملكة”، ففي كل مرة يتم تجديد عقده لأنه أثبت مهارة وشطارة في كسب الحروب وتأليف “جيش جرار” مكن “المملكة الجرمانية” من حصد كأس العالم في المونديال الأخير 2014.
    زرع لوف بذور النجاح منذ سنوات واليوم يحق له ولحاميته أن يقتحم ساحة “الحرب” العالمية بجيش مكتمل الصفوف سلاحه الأول الثقة والاعتداد بالنفس وصفاء القلوب
فالحكمة التي يتحلى بها لوف جعلته يحسن دوما انتقاء الأفضل والأجدر والأقدر على حمل اللواء. لم يكن أبدا ظالما لأي من جنوده، لم يغدر بأحد بل بنى جدارا عاليا للغاية من الثقة المتبادلة، أعلى حتى من جدار برلين، أهّله لمواصلة قيادة هذا الجيش قبل التوجه إلى ساحة المعركة الروسية.

كل الأطراف في ألمانيا اتفقت على أن لوف لم يهضم حق أي لاعب هو جدير بأن يكون ضمن “المحاربين”، استدعى كل لاعب له من الخبرة والموهبة ما يسمح له بخدمة هذا الجيش، وحتى الحارس مانويل نوير الذي داهمته الإصابة منذ أشهر عديدة وجد لنفسه مكانا رغم أنه لم يخض منذ سبتمبر الماضي أي معركة إعدادية.
لقد زرع لوف بذور النجاح منذ سنوات واليوم يحق له ولحاميته أن يقتحم ساحة “الحرب” العالمية بجيش مكتمل الصفوف سلاحه الأول الثقة والاعتداد بالنفس وصفاء القلوب.
أما ديشامب قائد كتيبة فرنسا، فإنه شابَه إلى حد التطابق قائد جند الشمال، فالذي اتخذ اللؤم طبعا لن يتغير، والمال للغدر والتجاهل أكثر من الإيمان بالعدل والميزان سيكون مصيره مماثلا حتما لما حصل له في “المعركة” الأوروبية التي خسرها في الدور النهائي منذ سنتين ضد منافسه البرتغالي والذي أقيم من سوء حظه العاثر على الأراضي الفرنسية.
لقد دفع ديشامب غاليا ثمن غطرسته وكبريائه المزيف، دفع ثمن تجاهله لبعض الجنود وعدم تقديره للاعبين كانوا قادرين على تقديم الإضافة، ففي تلك “الحرب الأوروبية” استغل مشكلة كريم بن زيمة مع زميله فالبوينا فأغلق أمامه الباب نهائيا، رغم أن كريم كان قادرا في تلك الفترة على أن يكون أحد أبرز الجنود.
ديشامب أقصى أيضا دون أي سبب سمير نصري المتألق آنذاك مع مانشستر سيتي الإنكليزي، أبعده دون أي وجه حق، فكافأه القدر بهزيمة موجعة وجرح فرنسي لن يندمل.
أما اليوم فقد أصرّ هذا “اللئيم” على غيّه وتمسك بعنجهيته واختار الركوب على صهوة الأخطاء ونكران الجميل، لقد أبعد بعض “الجنود” الرائعين مثل أدريان رابيو نجم باريس سان جرمان ليتجاهله رغم أن هذا اللاعب قدم أداء راقيا في أغلب مراحل التصفيات.
ديشامب المتغطرس والمتردد واصل تجاهل كريم بن زيمة، وأكد للمرة المليون أنه يناصب العداء لكل من لا يتفق معه حتى وإن كان قادرا على تقديم الدعم والمساندة.
الأمر ذاته حصل مع وسام بن يدر نجم إشبيلية الإسباني، لقد كان ديشامب لئيما وخبيثا للغاية في تعامله مع هذا اللاعب، إذ لم يترك سبيله ولم يسمح له باختيار منتخب بلد أجداده، أي المنتخب التونسي، حيث وجه له الدعوة منذ فترة وجيزة للمشاركة في معسكر تدريبي، وأكد له أنه سيشارك مع منتخب فرنسا في المونديال، لكن في نهاية المطاف أخلف بوعده وجعل اللاعب يخسر حلمه المونديالي.
بلا شك ستكون خاتمة ديشامب مثل قائد حامية الشمال، سيعود منكسرا محبطا خائبا، سينزوي ويختار العزلة، أما لوف وحتى إن خسر المعركة الروسية فإن الشرف له والتاريخ أيضا لأن كسب الحرب البرازيلية منذ أربع سنوات سيغنيه ويكفيه وسيخلده قائدا حكيما لدى الملك.
كاتب صحافي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)