ardanlendeelitkufaruessvtr

حديث الخميس: أشعرة ام جسر بين الفلسة والشعر؟

حسان الحديثي 
 
قلت في حديث سابق ان علوم الدنيا قسمان:
علم تطبيقي يعتمد في غالبه على الموجود الذي يُستدلُّ عليه بموجود وهي علوم يتوصل اليها الانسان من خلال نظرية الافتراض والتصويب والتصحيح والبرهان والذي وصفه ابن سينا بـ"المشهور" كعلوم الطب والرياضيات والفلك وغيرها من العلوم المعروفة، وعلم نظري لموجود لا يُستدلُّ عليه بموجود للغموض الذي يكتنفه والتي كلّتْ العقول بالوصول اليه بالمنطق والتطبيق فلجأت اليه بالفلسفة كعلم الروح ومعرفة ما قبل الوجود وما بعد الموت والوصول الى حقيقة النفس والفطرة التي فطرها الله عليها وهو ما اطلق عليه بـ "المستور" 
 
ولم يتصدَّ علم بشري للاسئلة الكالّة للعقل مثل الفلسفة وان لم تقدم اجوبة مقنعة عن طيف الاسئلة المربكة لعقل الانسان، ولو خضنا في هذا النوع من الاسئلة عن الموت وما بعد الموت  وعن الألوهية و عمر الكون وحقيقة الوجود الممتد بين الأزل والأبد ومصير الإنسان لوجدنا انها اسئلة عقلية محضة متأتية من أمرين: طول الفكر وعمق التأمل. وقد قالوا قديما الافكار بنات العقول
وأجد ان منطلق الفلسفة عند البشر هو عدم الرضا باجوبة الدين والمعتقد على اسئلة العقل البشري كلها، فتجد من الفلاسفة من عاد وآمن ورضي بأجوبة المعتقد الديني كأجوبة سماوية ومنهم من بقي في حيرته حتى مات فاندثر وبقيت اسئلته وراءه تبحث عن اجوبة .
 
ومن الفلاسفة مَن اتحذ الشعر مركوبا لفلسفته واضعا فيه اسئلته وبعضاً من اجوبته واجداً فيه بعض السلوان والعزاء وبعض الراحة التي يؤوب اليها الفيلسوف بين الحين والاخر حين يصل الى مرحلة الكلل العقلي والذي طالما اصاب هذا الكلل عقول الفلاسفة، ولعل هذا الامر يحيلنا الى سؤال آخر وهو ايهما سبق الاخر وجود الشعر ام وجود الفلسفة؟
وأغلب الظن ان الشعر وجد بوجود الفلسفة اذ ان اي فكرة فلسفية ما ان تكتب حتى تكون "شعراً" لانها تعتمد على الخيال الذي هو اول الشعر وهنا يصح ان نقول ان كل الفسلفة شعراً وليس كل الشعر فلسفة ومع ان الفلسفة العربية جاءت متأخرة وجاءت متأثرة بفلسفة اليونانيين بعد ترجمات كتبهم الى العربية بعد سنة ٢٠٠ هجرية في زمن الخليفة المأمون غير ان هذا لا ينفي وجود افكار فلسفية في الحكمة التي كانت بغية اهل الفكر قبل الدين ومنهم قس بن ساعدة الإيادي وهو ابو الحكمة والخطابة عند العرب وكان موحداً يؤمن بالغيب والقدر ومن اقواله الخالدة:
أيها الناس، اسمعوا وعوا، وإذا سمعتم فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا. ليل داج، وسماء ذات أبراج، ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ ولو تمعنا قوله "وكل ما هو آت آت" سنجد فيه معنى قول الله تعالى "إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ" كذلك ما نسب له من شعر بقوله:
وما قد تولى فهو قدْ فاتَ ذاهباً ... فهل يَنْفَعَنّيْ ليتني ولعلني؟
 
واغلب الظن ان العرب قبل الاسلام خاضوا في هذا الفكر كثيراً الا انهم لم يوثقوه كما فعلت بقية الامم بسبب تخلفهم الحضاري أولا وواقع حياتهم ثانيا والتي خلت من التدوين بسبب حياة البداوة التي جعلتعم لا يهتمون ولا يعتنون بشيء ابداً لانهم مفارقوه بعد حين، فلا بيوت ولا مراكز للتعليم ولا مكتبات، كانت حياتهم محض حياة خالية من اي رابط بين الانسان وما حوله سوى بيتِ الشَعَرِ وظَهْرِ الدابّة وما حفظ قول قس ابن ساعدة الا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي روى كلامه.
 
ومن الخواطر الفلسفية التي وردت في الشعر الجاهلي قول حسان:
إن التي ناولتَنِي فرددْتُها ... قُتِلتْ -قُتِلْتَ- فهاتِها لمْ تُقْتلِ
وقوله قتلت يعني الخمر اي قتلت بالماء بمزجها ، وقوله فهاتها لم تقتل اي هاتها صِرفا كذلك وردت بعض هذه الافكار في اشعار الجاهليين كقول زهير ابن ابي سلمى:
ومَن هاب أسبابَ المَنايا يَنَلْنَهُ ... وإن يَرقَ أسباب السماءِ بسُلَّمِ
 
ولكن بقي كل ما قيل عند العرب في باب الحكمة والفلسفة من جانب وبين الشعر من جانب رقيقاً واهياً كالشعرة فهي وان لم تنقطع الا انها كانت لا تعد صلة حقيقية بين الفلسفة والشعر حتى اتى ابو العلاء المعري وهو أول بان جسراً بينهما ولعل اهم سبب في فكر المعري هو شيوع المخالفة لما اتفق عليه كل العلماء المسلمين في حقيقة الخلق والروح والوجود والموت وما بعد الموت وتركهم ونفيهم اي مصدر يتعرض لهذه الاسئلة غير ما اتى به التفسير الديني، فكان تصدي ابي العلاء لهذه الاسئلة جريئاً لم يسبقه اليه احد مما جعله الفيلسوف الشاعر الاشهر في تاريح الادب العربي وقد تبعه بفكره ذاك كثير من الشعراء.
 
ورب قائل يقول: هناك ثلة من الشعراء قبل ابي العلاء تعرضوا للفلسفة كابن الرومي، وابي تمام، والبحتري وهذا المتنبي يقول:
إذا مــا تــأمـلـتَ الـزمانَ وصـرفَه
تيقنت أن الموت ضـرب مـن الـقتلِ
 
ومـا الـدهـرُ أهـلُ أن تـؤمـل عنده
حياةٌ وأن يُشتاق فيه إلى النـسـلِ
 
تخالف الناس حتى لا اتفاق لـهـم
إلا على شجب والخلف في الشجبِ
 
وغيرهم وهذا صحيح لكن كل أولئك نظروا للفلسفة من كوة الشعر فكل ما جاء في شعرهم من فلسفة اتى في اصله شعراً فكان العقل لدى كل هؤلاء الشعراء تابعاً لإمام كالدين والمعتقد والعرف وحوادث الزمن الا ابو العلاء فهو من بين الجميع مَن نفى اي إمام للانسان وجعل عقل الانسان هو إمامَه الوحيد وهذا الامر مبرر "للمعري" في نهجه كي يتحرر من اي قيد يحجّم عقله من السياحة في الفكر دون قيود عرفية أو دينية أو حتى أخلاقية ان استلزم الامر . 
أيها الغر إنْ خُصصتَ بعقلٍ ... فاسألنه فكلُ عقلٍ نبيُ 
وقوله: 
يرتجي الناسُ أن يقـومَ إمامٌ ... ناطــقٌ في الكتيبة الخرساء
كذب الظنُّ لا إمام سوى العقـ..ل مشيرا في صبحه والمساء
 وقوله:
فشاور العقل واترك غيره هدراً ... فالعقلُ خيرُ مشيٍر ضمّه النادي
وقوله:
وقــد أُمرنا بفكرٍ في بدائعه ... وإن تَفكر فيه معشرٌ لحدوا
 
وغيرها الكثير من الاقوال التي جعلت الامر للعقل فقط وكل ما احاط بنا من امر الدنيا والدين والاولى والاخرة مرده الى العقل فقط ومن هنا نستخلص ونفرق بين فكر ابي العلاء المعري وفكر من خاض قبله في باب الفلسفة من الشعراء العرب ممن جاء بعد عام ٢٠٠ للهجرة اذا ما اعتبرنا ان كل ما جاء قبل هذا العام هو في اصله حكمة بطابع فلسفي ولم يؤسِس احد للفلسفة الخالصة المحضة قبل ذلك التاريخ
 
ولكي يتم للمعري فتح ابواب الفضاء الفكري كلها امام عقله كان عليه أولا ان ينكر الرسالات السماوية وله في ذلك اشعار كثيرة جداً:
هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدت
ويـهـود حـارت والـمجوس مـضـللهْ
 
اثـنـان أهــل الأرض: ذو عـقــل بلا
ديــن ، وآخــر ديِّــن لا عـقــــــلَ لهْ
 
 ثم قوله -تعالى الله عما قال-:
أمــورٌ تستخفُّ بها حـلـومٌ ... وما يدرى الفتى لمن الثبورُ
كتابُ محمدٍ وكتابُ موسى ... وإنجيلٌ ابنِ مريمَ والزبـورُ
نهتْ أمماً فما قُبلتْ وبارت ... نصـيـحتُها فكل القوم بـورُ
 
وقوله:
في اللاذقية ضجةٌ ما بين أحمدَ والمسـيحْ
هـذا بـنـاقـوسٍ يـدقُّ وذا بـمـئـذنةٍ يصـيحْ
كلٌ يعظّم دينَه ياليت شعري ما الصحيح؟
 
حتى اتهم بالكفر والزندقة فكان رهينا لمحبسين حقيقين فاما حبسه الأول ففي عماه ربانياً اذ لا مفر منه ولا حريه بعده او خلاص، واما محبسه الثاني فكان اختيارياً فقد اعتزل الناس وحبس نفسه في داره للاختلاف بين فكره وبين المشاع من فكر من حوله ولربما خاف الرجل على نفسه ان يموت ميتة الزنادقة ممن سبقه وهي القتل  ومع انه اشيع عن المعري ايابه للدين والزهد في اواخر حياته لكنه في ذلك العمر بدأ يطارده هاجس الموت وهو يتعكز على التسعين من عمره ويقول
 
كأنما العالم ضأنٌ غــــــدت
لـلرّعي، والـموت ابو جعدة
وابو جعدة هو الذئب
 
ثم يصف كرهه للموت بصورة مهيبة:
وطريقي إلى الحِمام كريهٌ ... لم تهـبْ عـنـدَ هـوله اليَهْمَاءُ
ولو أنَّ البيداء صارمُ حربٍ ... وهي من كل جانبٍ صرماءُ
 
اليَهْمَاءُ : الفلاةُ لا يُهتدى فيها والصرماء : الأرض الخالية لا الماء
 
ولله دره حين يستقر الى قرار فلسفي رائع بقوله:
حياتي تعذيبٌ وموتيَ راحةٌ ... وكلُّ ابنِ انثى في الترابِ سجينُ
 
ثم ليؤوب الى الحقيقة والتسليم الى ان العزة لله جميعاً في الحياة والموت ليكون فيلسوفا في ايمانه وخضوعه كفلسفته في تطرفه 
 
عز ّالذي بالموت ردّ غنيَنا ... كفقيرٍنا ومقيمَنا كالراحلِ
 
ومن الاقوال الجميلة في المعري ما جاء على لسان الكاتب الفلسطيني جبر شعث اذ يقول:
يقول: يوسف كرم في كتابه ( تاريخ الفلسفة الحديثة ط دار المعارف 1962) عن نيتشه: إنه أديب مطبوع حُشر في زمرة الفلاسفة، لأنه كتب وفكر في الإنسان ومصيره والأخلاق وقيمتها؛ وفكر تفكير الأديب وكتب كتابة الأديب أو النبي الملهم،  وفي رأيي -والكلام لشعث- : إن أبا العلاء المعري فيلسوف حُشر، أو ربما حَشر هو نفسه في زمرة الشعراء، فقد عبّر عن فلسفته المتكاملة بالشعر في اللزوميات وسقط الزند. انتهى قول شعث
وهذا من الاقوال الجميلة المنصفة للمعري فيلسوفا.
 
وأقول في ختام حديثي هذا: اذا كان في الشعر عُشرُ الفكر ففي الفلسفة التسعة اعشار المتبقية وطوبى للمبصر الذي ألّف بين الشعر والفلسفة 
 
.
.
قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الخميس, 23 آب/أغسطس 2018 20:17
حسان الحديثي

حسان الحديثي
عراقي من مواليد مدينة حديثه/العراق ويعيش حالياً في المملكة المتحدة
كاتب وباحث ودارس في ألادب العربي وتاريخه
يكتب في عدد من الصحف والمواقع الادبية
له كتاب ” حديث الخميس" بجزأين
ومخطوطة ” والسياب شاعر الانسانية الاكبر ”