ardanlendeelitkufaruessvtr

التعصب والموضوعية

بقلم حميد سعيد حزيران/يونيو 23, 2018 833

التعصب والموضوعية
نجد مثقفا معروفا أو أكاديميا بارزا، ينبغي له أن يتمثل أعلى حالات الموضوعية، غير أنه وبتأثير عوامل غير موضوعية يُظهر من التعصب ما يضعه في موضع لا يليق.
التعصب في إطلاق الأحكام يتجاوز كل ما هو موضوعي وأخلاقي (لوحة سعد يكن)
جمعني لقاء مع صديق أكاديمي بارز، وقادنا الحديث إلى ما يظهر أحيانا في المحيط الثقافي، من تعصب في إطلاق الأحكام وفي التقويم، يتجاوز كل ما هو موضوعي وأخلاقي، إذ كان يحدثني عن مشاركته في إحدى لجان التحكيم الثقافية، وفاجأه ما ظنّه أمرا غريبا وموقفا مستغربا، حين وجد أحدهم، وهو أكاديمي معروف، يتخلى عن كل ما يمت إلى الموضوعية العلمية بصلة، ويندفع بعيدا في التعصب، لمرشح ينتمي إلى البلد الذي ينتمي إليه، ثم يكتشف محدثي أنهما؛ الأكاديمي والمرشح، ينتميان إلى ملة واحدة، مما وصفها أسلافنا بالملل والنِحَل. وقلت له: وأنا أعجب من أن ما صدر عن ذلك الأكاديمي، عَدَّهُ مفاجأة وأمرا غريبا وموقفا مستغربا.
يا صاحبي.. ليس هذا الأمر غريبا ولا مستغربا، ويحدث في الكثير من لجان التقويم، فنجد مثقفا معروفا أو كاتبا لامعا أو أكاديميا بارزا، ينبغي له أن يتمثل أعلى حالات الموضوعية، غير أنه وبتأثير عوامل غير موضوعية تماما، يُظهر من التعصب والهوى ما يضعه في موضع لا يليق به، وتختزن ذاكرتي أمثلة كثيرة تدخل مُدخَلَ التعصب ومجافاة الموضوعية، منها، كنتُ في لجنة لمنح جائزة اليونسكو للثقافة العربية في دورتها الأولى، وكانت تمنح لأجنبي خدم الثقافة العربية ولعربي مميز في عمله الثقافي.
وتضم اللجنة شخصيات ثقافية، عربية وأجنبية، وقد منحت الجائزة لمرشح من المرشحين الأجانب، هو المستعرب الفرنسي جاك بيرك، ولم نختلف بشأنه كثيرا، فنالها بما يشبه الإجماع، وإذ توقفنا عند المرشحين العرب للجائزة المذكورة، وبينهم ميخائيل نعيمة، وكان من الواضح أن الرجل هو الأكثر استحقاقا لها، وأكد ذلك ما جرى من حوار وما طرح من آراء بشأنه.
غير أن أحد أعضاء اللجنة من العرب،  وهو مثقف معروف، اعترض بشدة على توجه معظم أعضاء اللجنة، إن لم أقل جميعهم، وأصرَّ على أنْ تمنح الجائزة لمرشح من مواطنيه، وهو الآخر شخصية ثقافية مرموقة، لكن شبه الإجماع لم يتح له تحقيق ما كان يريد، فواجه الموضوعية بالتعصب وشبه الإجماع بالغضب.
وحدثت جليسي عن تجارب شخصية أخرى تصب في هذا المصب، غير أنه فاجأني بسؤال: هل يخطر في بالك ما ذكره الجاحظ عن موقف الكميت من الطرماح؟  فأجبته ضاحكا: وهل توهمت يوما بأن يتكرر مثل ذلك الموقف؟
حيث جاء في “البيان والتبيين” لكاتب العربية الكبير أبي عثمان الجاحظ، نقلا عن محمد بن سهل، راوية الكميت، قوله: أنشدت الكميت قول الطرماح:
إذا قُبِضَتْ نفسُ الطرماح أخلقت/ عُرى المجدِ واسترخى عنان القصائدِ
فقال الكميت: إي والله، وعنان الخطابة والرواية.
ونذكر للإيضاح: أما الكميت، فهو الكميت بن زيد الأسدي، ولد في العام 60 وتوفي في العام 126 للهجرة، ويعد من شعراء العصر الأموي البارزين، عاش في الكوفة واشتهر بالتشيع، وأما الطرماح، فهو الطرماح بن حكيم الطائي، وهو شاعر الخوارج، وقد أقام في بلاد الشام حيث ولد، ثم انتقل إلى الكوفة وتوفي فيها في العام 125 للهجرة. ويقال: خلال إقامته في الكوفة التي كان يقيم فيها الكميت، جمع بينهما الشعر، متجاوزاً كل ما يفرق بينهما من خلافات وعصبيات.
إذ قال الجاحظ: ولم ير الناس أعجب من الكميت والطرماح، وكان الكميت عدنانيا عصبيا، وكان الطرماح قحطانيا عصبيا، وكان الكميت شيعيا من الغالية، وكان الطرماح خارجيا من الصفرية، وكان الكميت يتعصب لأهل الكوفة، وكان الطرماح يتعصب لأهل الشام، وبينهما مع ذلك، من الخاصة والمخالطة، ما لم يكن بين نفسين قط، ثم لم يجر بينهما صرم ولا جفوة ولا إعراض، ولا شيء مما تدعو هذه الخصال إليه.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)