ardanlendeelitkufaruessvtr

البجعة السوداء تتجلى في شرق أفريقيا

بقلم محمد أبوالفضل تموز/يوليو 23, 2018 486

البجعة السوداء تتجلى في شرق أفريقيا
من الضروري الاستعانة بنظرية البجعة السوداء، كمحدد نبني عليه فرضية معالجة الخلافات والنزاعات الإثنية في شرق أفريقيا.
مفاتيح إغلاق صفحة التوترات
دارسو العلوم السياسية يميلون في الكثير من التحليلات إلى تطبيق النظريات على الواقع، بينما ينحو معشر الصحافيين إلى تحليل الواقع مباشرة وإسناده أحيانا إلى مناهج البحث. بصرف النظر عن أولوية وأهمية أي منهما، فأنا ممن جمعوا بين الحُسنيين، الدراسة والصحافة.
التعامل مع التطورات الجارية في منطقة شرق أفريقيا وما تموج به من تفاعلات يبدو حالة نادرة، تحتمل البعدين السابقين. لذلك يصلح استخدام نظرية “البجعة السوداء”، التي تقوم على افتراض وقوع ما هو غير متوقع، ليساعدنا على فهم ما سوف يجري في هذه المنطقة المثيرة.
المصالحة التي تمت بين إريتريا وإثيوبيا، والتحالف الذي لاحت ملامحه بين مصر والسودان، والتسوية الوشيكة للحرب في جنوب السودان، كلها علامات تؤكد أن هناك مرحلة جديدة للتعاون في المنطقة، لم يتوقعها كثيرون، بحكم تجذر الخلافات بين غالبية دولها. ناهيك عن التطلعات، غير المتوقعة، لكل من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية لتوثيق العلاقات مع دول شرق أفريقيا.
اللجوء إلى نظرية “البجعة السوداء” يمثل ملاذا للتنبؤ بالتطورات، لأن معظم التقديرات السائدة منذ حوالي ثلاثة عقود، لم تأخذ في حسبانها إمكانية حدوث تحولات جذرية في هذه المنطقة، ومن تفاءلوا بإمكانية عقد مصالحات بين دولها، لم يتوقعوا أن تفضي إلى وضع قواعد للتعاون الإقليمي في منطقة تموج بصراعات عرقية متشابكة، من الصعوبة تخيّلُ حلّ لعقدها.
المفكر الأميركي، اللبناني الأصل، نسيم نيقولا نجيب، قال في كتابه “البجعة السوداء” الصادر في العام 2007، “كان هناك اعتقاد أنه لا يوجد في العالم سوى البجع الأبيض، إلى أن عثر على بجع أسود بعد اكتشاف قارة أستراليا، وإذا تطلع الإنسان إلى الواقع برؤية مستقبلية سيجد فيه أمورا غير متوقعة، لكنها ستصبح متوقعة، إذا نظر لها من زاوية الماضي”. المكونات الإيجابية التي وصلت إليها العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة، تختلف عن التي حملتها أيّ تسوية بين دول كثيرة، لأنها قامت لتكون نواة صلبة تذيب الخلافات التاريخية، التي تتجاوز الحدود السياسية التقليدية، وتغوص في الأعماق لتغيير الخارطة المليئة بالنزاعات الأهلية في البلدين، وتمتد لترسيم خارطة إقليمية جديدة.
في كليهما يأتي بند التخلص من الصراع المجتمعي، كإحدى العلامات البارزة، والذي عجزت توقعات سابقة عن التفكير في آليات ناجعة لتفكيكه. وأقصى شيء وصلت إليه تقديرات كثيرة هو التهدئة ومحاولة إيجاد صيغة عادلة لتقسيم السلطة والثروة، تحوّلت إلى باب لتفجير سلسلة من الخلافات، لم تتمكن جميع الأطراف من التوصل إلى تفاهمات، وجعلت من الصراعات الأهلية عملية تستحيل تسويتها.
ما حدث في عدد كبير من الدول، أن التركيبة المجتمعية تحولت إلى أمر يجب التعايش معه. ينفجر ويهدأ، حسب القوة والحكمة والحنكة التي تتمتع بها الطبقة الحاكمة. لم يتطرق أحد إلى طي صفحة قاتمة تنتشر في مناطق كثيرة، تتسم في أفريقيا جنوب الصحراء، بخصوصية أضفت عليها طابعا جعلها متلازمة عند الطبقتين، الحاكمة والمعارضة. كل منهما يستند إلى ذيول عرقية واجتماعية متداخلة.
جانب كبير من المعاناة التي تعيشها دول شرق أفريقيا ينجم عن الظلم المجتمعي والحروب العميقة بين القبائل في كل من إثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان وأوغندا وكينيا، وحتى السودان، والتي أخذت أبعادا خارجية، بحكم الامتدادات الإقليمية.
المحاولات التي بذلت طوال السنوات الماضية أخفقت في إطفائها محليا، ولم تستطع الاقتراب منها إقليميا، لأن جميع القيادات كانت تتعامل معها، باعتبارها من المحرمات لصعوبة تغيير القناعات الراسخة لدى كل قبيلة، ولأنها تدخل في جوهر الموازين الرئيسية للحكم.
    معالجة الصراعات الإثنية في شرق أفريقيا نقطة البداية لأي مشروعات تنموية. وتتجه الدول المعنية بإغلاق صفحة التوترات إلى تمهيد التربة لنزع بذور الفتن المجتمعية
هذه الصورة البغيضة أعاقت مسيرة دولة وليدة مثل جنوب السودان، رشحتها تقديرات لتجاوز جراحها عندما تحصل على الاستقلال، لكنها دخلت في حرب أهلية قلبت التكهنات التي ذهبت إلى أنها دولة واعدة. والآن تحاول جهات عديدة غلق صفحتها الغامضة، ضمن حسابات صاعدة تنحو تجاه تفضيل الحلول السياسية.
رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد، آبي أحمد، الذي دفعت به الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية إلى سدة الحكم، يمثل رمزا للقيادات الصاعدة صاحبة الرؤية الشاملة. ينتمي إلى جماعة الأورومو، والده مسلم ووالدته مسيحية، وخرج من رحم الجبهة الحاكمة التي تنحدر غالبيتها من أقلية التيجراي، وهي توليفة جاءت في هذا التوقيت، لأن من وقفوا خلفها يعتقدون أن تذويب الهوة الطائفية المدخل الصحيح لإنهاء المشكلات الداخلية والإقليمية.
قد يكون من الصعوبة تخيل هذه المسألة، لذلك من الضروري الاستعانة بنظرية البجعة السوداء، كمحدد نبني عليه فرضية معالجة الخلافات والنزاعات الإثنية في شرق أفريقيا.
هذه هي المرة الثانية التي ألجأ فيها إلى هذه النظرية، وكانت المرة الأولى في دراسة نشرتها في عدد يوليو 2011 من دورية “السياسة الدولية” المصرية، في ملحق بعنوان “تحولات استراتيجية على خارطة السياسة الدولية”. حوت دراستي رؤية بشأن مصير الدولة اليمنية بعد اندلاع ما يسمى بثورات الربيع العربي. وانطلقت الفرضية من قيام الولايات المتحدة الأميركية باحتلال اليمن مباشرة.
لم تصدُق بالطبع فرضية الدراسة، وربما لا تصدق أبدا، لكنها استندت إلى معطيات سياسية وعسكرية منحت الفكرة بريقا علميا وبعدا منطقيا، فلم يعد من المستحيل أن نرى بجعة سوداء وسط البجع الأبيض.
السعي لتطبيق هذه النظرية على حالة شرق أفريقيا، ربما يكون أسهل، فقد تكاثر البجع الأسود في العالم. ولم يتوقع كثيرون أن يتحلل الاتحاد السوفييتي بهذه السرعة. ولم يتخيل مفكرون عديدون أن تصبح الصين قوة اقتصادية عملاقة في غضون فترة قليلة. ولم يفكر أحدنا في إمكانية قيام جماعة متطرفة بقصف برجي التجارة العالمي في نيويورك.
لم نتوقع الحروب والصراعات المنتشرة في منطقة الشرق الوسط. كانت التطلعات والأحلام متوجهة نحو انهيار إسرائيل على وقع نمو تيار التطرف فيها، أو تزايد قوة العرب بما يؤدي إلى استرداد أرض فلسطين كاملة. في ضوء المستجدات الحالية لم يعد مستحيلا أن نرى المزيد من التحلل للقضية الفلسطينية. ولعل ما يحدث في العراق وسوريا وليبيا واليمن، يمنحنا تمرينات لتدريب أنفسنا على اعتياد التعامل مع البجع الأسود.
بالتالي من السهولة أن يتجلى هذا النوع في شرق أفريقيا، وتصل المنطقة إلى درجة آمنة من العلاقات المجتمعية، توقف نزيف الخسائر الناجم عن التوترات الأهلية، في خضم رغبة إقليمية عارمة في الوصول إلى درجة من الأمن والاستقرار. وحرص عدد من القيادات على وقف الأسباب الرئيسية التي تقف خلف نشوب النزاعات البينية.
معالجة الصراعات الإثنية في دول شرق أفريقيا نقطة البداية لأي مشروعات تنموية. وتتجه الدول المعنية بإغلاق صفحة التوترات إلى تمهيد التربة لنزع بذور الفتن المجتمعية، من خلال تكوين شبكة من المصالح المتبادلة، تجعل التفكير في العودة إلى النزاعات التقليدية عملية مكلفة لذويها، تردعهم الخسائر وتغريهم المكاسب على عدم التفريط في القنوات التي نشأت عبر شبكة قوية من المنافع.
عندما تتجلى هذه الصيغة على الأرض في كل من إريتريا وإثيوبيا مثلا، لن تجد الحديث متواترا حول التقسيمات العرقية بين التيجراي والأورومو والأمهرا وغيرهم، وحصة كل منهم في السلطة والثروة، بل سوف يتحول جوهر الحوار إلى كيفية التفكير في تعظيم المكاسب بالنسبة للجميع على أساس المواطنة. وإذا استمرت العجلة في الدوران بمعدل إيجابي سريع، سوف يكون من السهولة تبين الكثير من البجع الأسود في شرق أفريقيا وغيرها.
كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)