ardanlendeelitkufaruessvtr

الإيمان وفكرة الموت

الإيمان وفكرة الموت
ذهبت إلى مأتم راحل شيوعي في مصر، وكان المقرئ يتلو آيات من الذكر الحكيم، ويركز على الموت وعلى الدار الآخرة، وكان البارزون من الجمع، من رفاقه الشيوعيين، أكثر تأثرا بالنطق الإلهي في ما يشبه الخشوع!
مع جريان الموت سريعا في هذه الدنيا، ليس أشفى من الإيمان لنفوس الأحياء المحزونين على الذين يغادرون. فالدين يبشّر بالسلام والرقود الهانئ في الدار الأبدية.
إن فكرة الموت نفسها، ظلت على امتداد التاريخ، شاغل الفلاسفة وموضوعا خلافيا بينهم، دون أن يقدموا إجابات مقنعة. فمن قائل إن الموت ليس نهائيا، وآخر يؤكد أن الموت فناء للجسد والروح. أما الفلاسفة الملحدون، فقد كانت لهم في ذرى شبابهم، آراء في الموت، وأخرى مغايرة في شيخوختهم، كلما اقتربوا من النهاية المحتمة وهي الموت الحقّ.
ولأن الله، هو القوي الحاسم، فقد ذهبت الأفكار الأخيرة التي أفصحوا عنها إلى أن خلود النفس أمر بالغ الأهمية، ويؤثر في البشر وفي طبيعة سلوكهم. لذا ناقشوا باستفاضة موضوع الوجود الإلهي.
عالم الفيزياء والرياضيات الفرنسي الملحد، بليز باسكال، صاحب نظريات ضغط الهواء وقوته، الذي وضع للمرة الأولى نظرية الآلة الحاسبة في القرن السابع عشر؛ تمنى قُبيل شهقته الأخيرة أن يكون الله موجودا، وأن تكون الحياة لا نهائية، فقال “لو كان الله موجودا سنكسب نعيما لا متناهيا، أما إن كان غير موجود فإننا لن نخسر شيئا!”.
أما مؤسس الفلسفة الغربية قديما، وهو اليوناني سقراط المتوفى قبل نحو أربعمئة سنة قبل الميلاد، فعندما حُكم عليه بالموت بتهمة إفساد الشباب في أثينا وتضليلهم، استسهل الفكرة المرعبة ومات بشجاعة، في لحظة كان فيها قادرا على تجنب المصير المأساوي، بما لديه من فطنة وقوة إقناع. لكنه تَجَرَّع السم قائلا للحاضرين “إن الصعوبة ليست جمة في الهرب من الموت، لكن الصعوبة الحقيقية هي في تجنب ارتكاب الأخطاء!”.
الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا، كان لا مباليا حيال فكرة الموت، ويرى أن الإنسان الحر، لا ينبغي أن يفكر في الموت إلا أقل القليل، لأن حكمته هي تأمل الحياة لا الموت!
أما الملحدون المتكتمون على الإلحاد في دواخلهم، وعاشوا ويعيشون في مجتمعات محافظة نسبيا وسادت فيها الأديان؛ فقد ظلوا ميالين تلقائيا إلى استدعاء فكرة الإيمان في لحظات الموت، في تناقض طريف بين ما يعتقدونه وما يشعرون به في لحظات التأسّي على فقيد عزيز، يريدون له خلود النفس وحياة لا نهائية بعد فناء الجسد.
 وأذكر أنني ذهبت إلى مأتم راحل شيوعي في مصر، وكان المقرئ يتلو آيات من الذكر الحكيم، ويركز على الموت وعلى الدار الآخرة، وكان البارزون من الجمع، من رفاقه الشيوعيين، أكثر تأثرا بالنطق الإلهي في ما يشبه الخشوع!
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)