ardanlendeelitkufaruessvtr

الاستحمام وأزمة المياه ويوسف شاهين

بقلم لطفية الدليمي آب/أغسطس 08, 2018 869

الاستحمام وأزمة المياه ويوسف شاهين
الاستحمام وسيبقى عند بعضنا طقسا صحيا مرحا نستمتع به ولا نحسب معه للوقت حسابا، وقد يستطيب البعض تجريب قدرته على الغناء فيشدو بأغنيات كلثومية طويلة.
ضرورة صياغة ثقافة جمعية للاستحمام
لعلّ بعضنا يتذكّر ذلك المشهد الذي يفصح عن قيمة ثقافية مهمة في فيلم “إسكندرية – نيويورك” للراحل يوسف شاهين، عندما يصل الممثل الذي يؤدي دور شاهين إلى نيويورك ويعثر على شقّة صغيرة تديرها امرأة مغناج (لعلّ خيال يوسف شاهين هو ما جعلها مغناجا)، وقبل أن يشرع يوسف شاهين في الإقامة بتلك الشقة تلقي عليه صاحبة الشقة لائحة بشروط العيش فيها، ومن تلك المتطلبات أن يستحمّ مرتين في اليوم (فالاستحمام مرّتين يوميا طقسٌ مقدّس في أميركا)؛ فيجيبها يوسف شاهين “نحن في الإسكندرية لو تعلمين نستحمّ ثلاث مرات يوميا”.
كم تعكس تلك الأيام من أربعينات القرن الماضي الحالة المزدهرة لبعض الحواضر المدينية المتألقة في العالم العربي (مثل بغداد والإسكندرية)، وكم يأسف المرء لحال التدهور الخطير الذي حلّ بها في أيامنا هذه.
يعكس الاستحمام ثقافة كاملة للمجتمعات، ويُلاحظ في بيئتنا العربية أنّ عادة الاستحمام تعتمد على وفرة المياه عندنا؛ ويتمّ التركيز عادة على ضرورة الاستحمام مرتين يوميا واستخدام أرقى أنواع الشامبو والصابون المنعش وسوائل رغوة الحمام المعطرة؛ غير أنّنا نشيح عن وجوه أخرى مرتبطة بطقوس الاستحمام ولا نلتفت إليها أو نعاملها بما تستحقّه من اهتمام.
لا ننسى أنّ العنصر الحيوي في الاستحمام هو الماء الذي بات سلعة حيوية متناقصة، وستكون عمّا قريب في عداد السلع الشحيحة التي سيكون لها ثمنها الباهظ في السوق العالمية -مثل البترول تماما- وحتى مجيء اليوم الذي تستطيع فيه التقنية ابتكار طريقة يسيرة وغير مكلفة لتحلية مياه البحر، لابدّ من التقنين الصارم في استهلاك الماء وبخاصة أثناء الاستحمام حيث تُستهلك كميات كبيرة جدا من المياه الصالحة للشرب.
وهنا يستدعي الأمر صياغة ثقافة جمعية للاستحمام، ومن العناصر الأساسية في تلك الثقافة أنّ الاستحمام ينبغي أن يؤدّي غرضا صحيا وجماليا يمكن إنجازه في بضع دقائق (المعدّل العالمي المتفق عليه هو سبع دقائق للرجل وعشر دقائق للمرأة)، ويقترح الخبراء اتباع التقنين الصارم في استهلاك الماء عبر الاقتصار على استخدام (دشّ) ذي ثقوب صغيرة، والانتباه أيضا إلى عدم ترك المياه تتدفق طوال مراحل الاستحمام المتعددة، بل لا بدّ من غلق صنبور الماء ومعاودة فتحه مرارا حتى نهاية الاستحمام.
قد تبدو هذه التفاصيل الصغيرة التي يقترحها خبراء المياه تافهة ومغرقة في التدقيق على نحوٍ يوحي لدينا بنوع من السخرية؛ لكنّ موضوع شحّة المياه أصبح أمرا خطيرا على صعيد الحروب الاستراتيجية التي ستُستخدم فيها عناصر صراعية قد لا يمكن التكهن بطبيعتها في وقتنا الحاضر، وسيكون أقسى أشكال تلك العناصر الصراعية هو ما يتّصل منها بما تشكّلنا -ثقافيا ومجتمعيا- على أساس اعتباره معطيات طبيعية مجانية لا يمكن أن ينالها الشحّ أو النضوب.
لا يزال الاستحمام وسيبقى عند بعضنا طقسا صحيا مرحا نستمتع به ولا نحسب معه للوقت حسابا، وقد يستطيب البعض تجريب قدرته على الغناء فيشدو بأغنيات كلثومية طويلة يجمّلها الصدى غير عابئ بكمية المياه المهدورة وهو يمارس متعته تحت الدش الغزير صيفا، ولعل النشوة ستأخذه بعيدا بفعل دش الماء الساخن في ليالي الشتاء الباردة.
نعلم جميعا أننا استنفدنا موارد كوكبنا بلا تروّ، وحان الوقت الذي تتوجب معه استحقاقات العيش على الأرض معاملة الماء كما تُعامل أثمن المواد التي تضمن استمرار الحياة.
كاتبة عراقية

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It