ardanlendeelitkufaruessvtr

النهضة والتنظيم الخاص.. الإنكار سيد الأدلة

بقلم عبدالجليل معالي تشرين1/أكتوير 05, 2018 570

النهضة والتنظيم الخاص.. الإنكار سيد الأدلة
هل أن حل التنظيم أو زوال أسبابه، يعني فعلا زوال العقليات التي أفرزتها سنوات السرية ومحاربة الدولة؟ وهل أن حل التنظيم يعني فعلا التخلص من الإرث الفكري والأيديولوجي الذي أدى إلى وجوده؟
تحميل النهضة المسؤولية الجنائية المباشرة عن الاغتيالين
منذ الندوة الصحافية التي عقدتها لجنة الدفاع عن حزب الوطنيين الديمقراطيين وحزب التيار الشعبي في حق الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، صباح الثلاثاء الماضي، تواتر حضور القيادات النهضوية في المنابر التلفزيونية والإذاعية وصفحات الجرائد، للرد على ما ورد في الندوة من تصريحات.
وكانت كل التصريحات والردود تدور حول فكرة مركزية قوامها “يهمّ حركة النهضة إنارة الرأي العام الوطني بما يلي: أولا نفيها القاطع لوجود أيّ نشاط للحركة خارج إطار القانون المنظم للأحزاب”، وهو ما ورد في جزء من بيان مكتب الإعلام والاتصال في حركة النهضة.
خلاصة ما جاء في الندوة الصحافية للجنة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، أن لحركة النهضة تنظيما خاصا ضالعا في الاغتيالات السياسية، ما يعني تحول موقف اللجنة من تحميل النهضة المسؤولية السياسية (باعتبارها تقود الحكم زمن الاغتيالين) إلى تحميلها المسؤولية الجنائية المباشرة عن الاغتيالين، (باعتبار ضلوع قيادات منها في التخطيط للعمليتين).
على أن الكلام الوارد في الندوة، بصرف النظر عن مدى وجاهته من عدمها، “كوفئ” بردود أفعال نهضوية بدأت من التكذيب والدحض والتنديد بـ”التوظيف السياسي”، ووصلت إلى اتهام اللجنة بضرب الدولة ومؤسساتها.
جدير تأمل ما ورد في تصريحات عبدالكريم الهاروني، رئيس مجلس شورى حركة النهضة، بأن “النهضة أصبحت جزءا من الدولة وهؤلاء يرفضون الدولة ولا يقبلون القضاء ولا الأمن ولا رئاسة جمهورية، وهذا أمر خطير يعكس تفكيرا إقصائيا وفوضويا ويمثل خطرا على الدولة واستقرارها“.
حركة النهضة في كل ردودها وتفاعلاتها مع الوثائق التي تتهمها، وبصرف النظر عن وجاهتها من عدمها، لم تلتفت إلى نقاش الوثائق ومضمونها، بل ركزت فقط على ابتكار تهم مقابلة للأطراف التي بسطت القضية للتداول العلني.
مراجعة كل التصريحات والبيانات الواردة منذ يومين، على خلفية الندوة الصحافية المشار إليها، تكفي لتبين أن النهضة انتفضت لا فقط رفضا للاتهام المباشر ولتحويل المسؤولية من جانبها السياسي الصرف، إلى بعدها الجنائي، بل أيضا لأن أغلب ما ورد في الندوة أشار إلى مسألة “التنظيم الخاص” لحركة النهضة.
خطورة اتهام النهضة بالمسؤولية الجنائية عن الاغتيالين، لا تحجب خطورة اتهامها بوجود تنظيم خاص أو جهاز أمني داخل مؤسساتها، بل إن التهمة الأخيرة ربما تكون أكثر خطورة وأثرا من التهمة الأولى. ذلك أن وجود تنظيم خاص، وهو ما عكفت النهضة طيلة سنوات على نفيه وتكذيبه، يضرب الخطاب الذي تواظب الحركة على ترويجه منذ سنوات، وقوامه أنها تحولت عن قناعة إلى حزب مدني، بكل ما تحمله الكلمة من مسؤوليات وتبعات سياسية وقانونية.
لكن الحديث عن وجود تنظيم خاص للحركة، ليس وليد اللحظة السياسية الراهنة، وليس ردّ فعل سياسي اتكأت عليه اللجنة ومن وراءها من قوى سياسية للإساءة إلى الحركة التي تمثل الطرف السياسي الأكبر في تونس. الحديث عن وجود تنظيم خاص لحركة النهضة، هو حديث قديم ومتواتر ومتأصل، سواء في الانتقادات التي توجهها الحركات المناهضة للنهضة، أو حتى في المذكرات والوثائق التي أصدرتها قيادات نهضوية منذ سنوات، في سياق حديثها عن “سنوات الجمر” زمن حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. ولحكاية التنظيم الخاص في النهضة منطلقات سياسية وأمنية وتاريخية وأيديولوجية متضافرة.
إصرار حركة النهضة على إنكار وجود تنظيم خاص داخلها، لا يحجب أن للأمر دفاتر قديمة وجب تفحصها. أول الدفاتر متصل بالأبعاد الأيديولوجية والتاريخية للحركات الإسلامية، وخاصة الجماعة الأم في مصر، التي عرفت من سنواتها الأولى بتنظيمها الخاص أو بجهازها السري الذي ينفذ الاغتيالات ويهدد الخصوم وغير ذلك من المهام التي تكتظ بها صفحات التاريخ.
اغتيال النقراشي باشا في 28 ديسمبر 1948 يمكن استعماله زمنا يؤرخ لبداية “منجز” التنظيم الخاص للجماعة عقب إقدامه على حل جماعة الإخوان في الثامن من الشهر نفسه، مع أن الحدث سُبق باغتيال القاضي أحمد الخازندار في 22 مارس 1948، إلا أن اغتيال النقراشي كان أكثر أثرا وخطورة.
وللتنظيم الخاص منطلقات فكرية وأيديولوجية، حيث كان الانتماء إلى التنظيم قائما على الرغبة في الجهاد في سبيل الله، ويخضع المترشح لاختبارات كثيرة وتكوين طويل ينتهيان بأن يطلب من المترشح “تحسس المصحف والمسدس والقسم بالبيعة وبعدها يصبح المرشح عضوا في الجيش الإسلامي”.
اتصل التنظيم الخاص داخل الجماعات الإخوانية، بمسألة السرية وبمسألة الموقف من الأنظمة القائمة، على ذلك فإن حركة النهضة لا تنكر أنها “اضطرت” إلى تأسيس جهازها الخاص، خاصة أثناء السنوات الأخيرة لحكم الرئيس الحبيب بورقيبة أو أثناء سنوات حكم بن علي، إلا أنها تصرّ على أن ذلك التنظيم تلاشى بتلاشي ظروف وجوده بعد الثورة.
الجهاز الخاص الذي ذاع صيته وكشف أثناء منعرج 7 نوفمبر 1987، والذي ورد في العديد من الوثائق والاعترافات والمذكرات والكتب (الكاتب التونسي أحمد نظيف تحدث باستفاضة ودقة كبيرتين عن التنظيم السري في كتابه “المجموعة الأمنية الجهاز الخاص للحركة الإسلامية في تونس وانقلاب 87)، والذي عرف خاصة في تلك السنوات باختراقه للجهاز الأمني والعسكري وبمحاولات تسريب عناصر الجماعة الإسلامية داخل الأمن والجيش، هل انتهى فعلا واستنفد أغراض وجوده، فعلا، بعد ثورة 2011 في تونس؟
هذا ما يجر إلى الحديث عن حقيقة تحول حركة النهضة من جماعة سياسية إسلامية، إلى حزب مدني شريك في العملية السياسية بكل ما يقتضيه ذلك من إيمان بالتداول السلمي على السلطة وباحترام الاختلاف والتطارح الديمقراطي. وهذا ما يحيل أيضا إلى وجوب التساؤل عن مدى التحول الحقيقي في الحركة من عقلية الجماعة إلى عقلية الحزب.
لا شك أن اتهام النهضة بأنها مازالت تحتفظ بتنظيم خاص رغم تغير الظروف السياسية في تونس، ورغم خروجها من مرحلة السرية إلى زمن الحكم، هو ما يزعجها أكثر من اتهامها بالمسؤولية المباشرة عن الاغتيال، ولو أن الاتهام الأول متصل جدليا بالثاني، لأن مجرد الإشارة إلى وجود تنظيم خاص لدى حزب سياسي حاكم، سيقوض كل ما حاولت الحركة تشييده طيلة سنوات، وحرصت من خلاله على صنع سياسة ناصعة قابلة للتسويق داخليا وخارجيا؛ داخليا لزوم الاحتياجات الانتخابية، وخارجيا لزوم الاعتراف الدولي الضروري في عالم متشابك ومتداخل.
حركة النهضة هي اليوم شريكة فاعلة في العملية السياسية التونسية، بل تقودها عبر هيمنتها على العديد من المؤسسات السياسية والدستورية، والزمن الراهن تسوده قناعة دولية وإقليمية ومحلية بمحاربة الإرهاب بشتى صنوفه وأجناسه ومذاهبه، وتونس التي تأذت، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، من ضربات الإرهاب مجبرة بكل الدوافع على محاربته حتى تزيل كل العوائق أمام مباشرة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تفرضها الأزمة الراهنة.
هي أبعاد متضافرة تجعل الحركة “تتألم” من مجرد اتهامها بوجود تنظيم سري داخلها، لأن ذلك يتناقض أولا مع ما تحرص منذ سنوات على تسويقه، ويتناقض ثانيا مع وجودها كحزب حاكم يشارك في “انتقال ديمقراطي”، وذلك ما دفع القيادات النهضوية إلى الهرولة في كل اتجاه لمحاولة نفي التهمة الكبرى، وتقديم إجابات سقط بعضها في التشنج وردود الفعل، بدل توفير تفاعل سياسي رصين يوفق بين تفنيد التهمة وعدم السقوط في التوتر.
تبرؤ النهضة من وجود تنظيم خاص داخلها، والقول إن ذلك التنظيم زال مع زوال أسبابه القديمة، يحيلان إلى سؤال يتردد كثيرا في تونس: هل أن حل التنظيم أو زوال أسبابه، يعني فعلا زوال العقليات التي أفرزتها سنوات السرية ومحاربة الدولة؟ وهل أن حل التنظيم يعني فعلا التخلص من الإرث الفكري والأيديولوجي الذي أدى إلى وجوده؟
كاتب وصحافي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)