ardanlendeelitkufaruessvtr

الطلاق.. ظاهرة اجتماعية في تفاقم مستمر

بقلم عبدالستار الخديمي تشرين2/نوفمبر 11, 2018 518

الطلاق.. ظاهرة اجتماعية في تفاقم مستمر
ما يجعل الطلاق أشدّ تأثيرا على المرأة موقف المجتمع الذي عادة ما يبرئ الرجل ويجرّم المرأة وكأنها المسؤولة الوحيدة عن تدهور العلاقة الزوجية وتفاقم الخلاف وصولا إلى النقطة التي يستحيل فيها العيش المشترك.
الطلاق آفة اجتماعية لها عواقب وخيمة
إن ما تشهده المجتمعات العربية من تحوّلات حضارية عميقة ولّد صراعا محموما بين منظومة حياتية سائدة أقيمت تحديدا وبنسبة كبيرة على مرجعيتي الدين والأخلاق وبين منظومة أفرزتها العولمة واستطاعت تغيير نمط الحياة ووضعت الأسس الدينية والأخلاقية موضع جدل، وهو ما ساهم في تفكك الروابط الأسرية وخلق ظاهرة أصبحت مخيفة في العالم العربي وهي ظاهرة الطلاق التي ارتفعت نسبتها بشكل تصاعدي سريع، حتى أضحت تقضّ مضاجع الأسر والعائلات.
كانت تركيبة الأسرة عمودية أو بالأحرى تحكمها علاقات عمودية بين الآباء والأبناء، فالأسرة التقليدية تنبني بناء هرميا يكون القرار فيه بيد الأكبر سنا من الأجداد والأبناء، وهذا البناء يؤسس لشكل عنقودي لا تنفصل فيه العائلات حديثة التكوين من الأبناء عن العائلة الأم، وهذه التركيبة على ما فيها من مؤاخذات عديدة لعل أبرزها عدم السماح للأبناء بالاستقلالية، فإنها حافظت في المقابل على تمتين العلاقات الأسرية وفق نظام قيمي وأخلاقي يقوم على الالتزام بأي قرار أسري حتى في صورة معارضته أو عدم الاقتناع بجدواه.
تأثرت تركيبة العائلة التي فقدت نظامها العنقودي (وجود أسرة أم ومجموعة من الأسر الفرعية يحتضنها جميعا فضاء واحد) بما يحيط بها من تغييرات اجتماعية واقتصادية وثقافية وحضارية مسّت جميع المجتمعات دون استثناء لأن جميعها انخرط طواعية أو إكراها في العولمة التي كانت أداتها الفعالة الوسائط الاجتماعية التي جعلت كل الحدود الجغرافية تمّحي نهائيا وعلى حدّ التعبير الشائع “أضحى العالم قرية صغيرة”.
مفهوم الاستقلالية لم يقتصر على العائلة التي أصبحت تتكون من عدد محدود من الأفراد في فضاء مكاني مستقل، بل مسّت جوهر تفكير الفرد سواء كان رجلا أو امرأة، ومن هنا تفاقم الصراع بين الزوجين وشهد مراحل عديدة وصولا إلى ممارسة العنف بأنواعه اللفظية والمادية، ثم القطيعة وعدم القدرة على التعايش السلمي والمثمر والذي يبني ولا يهدّم ويجمع ولا يفرق. وتنتهي العلاقة الزوجية بطلاق مرّ له انعكاسات وخيمة على المتزوجين وعلى الأبناء الذين حملوهم إلى هذه الدنيا دون ذنب.
يتخيل البعض أن آفة الطلاق تتضرر منها خاصة المرأة ويبررون ذلك بأنها بانفصالها عن زوجها تفتقد السند المباشر المعنوي والمالي حتى وإن كانت عاملة ومستقلة ماديا، وهذا التفكير مبني على المثل الشرقي القائل “ظل راجل ولا ظل حيطة” وكأن المرأة بهذا المعنى لا يمكن أن تعيش أو تستمر في حياتها في غياب الزوج، إنها سمة بارزة ومحددة لبنية التفكير في المجتمعات الذكورية.
الرجل وبحكم هذه العقلية الذكورية السائدة هو من يبادر بطلب الطلاق –بسبب أو من دونه أو في إطار نزوة عابرة أو موجة من الغضب- وينفق من أجل ذلك المال الوفير ويضحي بالوقت والجهد فقط ليرضي غروره معتقدا بأنه قادر في كل حين على تجديد حياته بزواجه من أخرى يعتقد أنها ستسعده وتعوضه “خيبته الأولى”، ولهذا التفكير ما يدعمه اجتماعيا بما أن النظرة الاجتماعية للمطلق عادية جدا ولا تثير أي ردّ فعل سلبي وكأن المجتمع يشرعن الإقدام على الطلاق بل يبرره أحيانا.
ولكن الواقع غير ذلك لأن للطلاق آثارا سلبية على الرجل كما على المرأة، خاصة إذا تقدّم به العمر فسيعيش الوحدة إذا لم يتزوج ثانية وسيجابه مواقف أبنائه وبالخصوص إذا كبروا واكتشفوا أن أباهم كان ظالما لأمهم. وقد يندم على اتخاذ قرار الطلاق إذا فشلت زيجته الثانية وأقام مقارنة بين الزوجتين وكانت الثانية لا تحتمل وجود أبنائه معها.
ما يجعل الطلاق أشدّ تأثيرا على المرأة موقف المجتمع الذي عادة ما يبرئ الرجل ويجرّم المرأة وكأنها المسؤولة الوحيدة عن تدهور العلاقة الزوجية وتفاقم الخلاف وصولا إلى النقطة التي يستحيل فيها العيش المشترك.
المرأة المطلقة بالإضافة إلى خسارتها لعائلتها ولسندها المادي والمعنوي فإنها تستباح اجتماعيا ليسلط عليها الآخرون سخافاتهم فتنعت أحيانا بأبشع النعوت وتتهم أحيانا كثيرة جزافا في شرفها وعرضها مما يجعلها تضع ذلك كله في حسبانها فتتقيد حركتها وتحدّ علاقاتها خاصة بالرجال. والأخطر من كل ذلك أن هذه النظرة الدونية تلحق أولادها أيضا ما ينغّص عليهم حياتهم، ويشتّت تفكيرهم ما من شأنه أن ينعكس سلبا على مشوارهم التعليمي.
الأرقام مخيفة فبعض الدراسات الاجتماعية بيّنت أن نسب الطلاق في البلدان العربية في تصاعد مستمر، حيث أنها تصل أحيانا في بعض الدول إلى حدود 20 بالمئة، والغريب أن هذه المجتمعات لم تبادر إلى ما يساهم فعليّا في تماسك الأسرة وتمتين العلاقات الزوجية بالحوار المُثمر والفاعل، وذلك بالتوعية المستمرة وتفعيل المؤسسات الحكومية الرسمية التي تعنى بالأسرة والمرأة، وتشجيع مبادرات المجتمع المدني الداعمة للمجهود الرسمي. على الزوجين الرجل والمرأة أن يقتنعا بأن الطلاق آفة اجتماعية لها عواقب وخيمة.
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)