ardanlendeelitkufaruessvtr

الذائقة الأدبيّة

بقلم هيثم حسين تشرين2/نوفمبر 12, 2018 519

الذائقة الأدبيّة
توصف بعض الأعمال الأدبيّة بأنّها تلامس ذائقة الجمهور، وهنا يكون التضليل من خلال المصطلح الغائم نفسه، ففعل الملامسة والتذوّق محوّران في سياق تضمين مفترض بعيد عن الواقع.
الذائقة تظلّ عائمة في انطباعيتها، بعيدة عن المحاصرة
يتكرّر تعبير الذائقة الأدبيّة كثيراً حين الحديث عن القراءة والكتب، بحيث تكاد الذائقة تغدو مقياساً لتصدير كتاب أدبيّ ما أو اعتباره أقلّ من المستوى المأمول من قبل المتذوّق.
لعل فعل التذوّق يرتبط بالجانب الحسّي أكثر، ويكون اللسان أداة التذوّق عادة، لكنّ القراءة فعل غير محسوس، وليس هناك لسان بالمعنى الحرفيّ لتذوّق المقروء وإسباغ صفات الأطعمة عليه، لكن اللسان الغائب المتمثّل في اللذّة المفترضة هو الحاكم الفعلي على أهمّية عمل ما من عدمها.
كيف تتبلور الذائقة الأدبيّة؟ هل هناك ما يقيسها؟ هل هناك صيغة يتم التوافق عليها في ما يتعلق بتأسيس الذائقة؟ هل الذائقة متعلقة بالمتعة المصاحبة للقراءة فقط؟
ربما أحد أسرار هذه الكلمة أنّها تظلّ عائمة في انطباعيتها، بعيدة عن المحاصرة والتقييد والتعريف، غير واضحة المعالم، تختلف من شخص لآخر من دون معرفة أسباب الاختلاف على وجه الدقّة، وحتى تختلف بالنسبة للشخص نفسه، بحسب الزمان والمكان، وبحسب الساعة التي قرأ فيها الكتاب الذي أطلق عليه حكمه. فحين يكون بمزاج حسن ورائق يجد في الكتاب ما يستحقّ التقدير، ويتذوّق جمالياته، أو يخترع له جماليات بحسب حالته النفسية، وحين يكون بمزاج متعكّر فقد يلفّق للعمل الأدبي صفات تنسفه، وقد يحوّل نقاط القوّة فيه إلى نقاط ضعف، من دون أن يكلّف نفسه عناء أي تعليل.
نسمع حين الحكم على بعض الروايات، أو تتويجها بجوائز أدبية، أنّ الأمر يعود لذائقة المحكّمين، وهنا يكون مثار الخلاف والاختلاف، فالذائقة الضبابيّة التعريف تكون معياراً مجهولاً للمحكّمين أنفسهم أحياناً، بحيث يتمّ تبرير أيّ فعل من خلالها، لأنّها مفهوم غير قابل للقبض والتدقيق، وقد تكون وسيلة للتملّص من تقديم إجابات شافية.
توصف بعض الأعمال الأدبيّة بأنّها تلامس ذائقة الجمهور، وهنا يكون التضليل من خلال المصطلح الغائم نفسه، ففعل الملامسة والتذوّق محوّران في سياق تضمين مفترض بعيد عن الواقع، والجمهور ليس شخصاً واحداً، يكون كتلة غير متجانسة، متّسمة بالنقائض والاختلاف، بعيدة عن منطق التقييد، والذائقة المفردة الملصقة به المعرّفة له، حجاب لجماليات الأعمال الأدبيّة ولتنوّع الجمهور والمتلقّين.
لا يخفى أنّ الذائقة بحدّ ذاتها تكون بناء يشقى عليها صاحبها طيلة سنوات، وتراها مع التقدّم في التجربة والنضج والعمر تصبح أكثر حساسيّة ودقّة، بحيث لا يقتنع المتذوّق بأيّ كتاب يقع بين يديه، يكبر الناقد في داخله، يكتسب قوّة وجرأة من خلال التجربة والتراكم والتعرّف إلى الكثير من النتاجات، وهنا تخرج الذائقة من إطار الانطباع فقط، بل تغدو صور مرآة للقارئ نفسه بعد اكتساب الخبرات والتجارب التي تغربل وترى أوجه العمل الأدبيّ المختلفة.
لعلّ ما يمكن أن يحسب للذائقة وعليها في آن، أنّها تتّكئ على المزاج وتنبني على شيء من الهوى، ما يساهم بتصدير أيّ عمل وتقديمه على أنّه الأهمّ، والمستحقّ للقراءة والتتويج، من خلال الإحالة إلى الذائقة كحكم مقرّر.
كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)