ardanlendeelitkufaruessvtr

مهنة المتاعب - الجزء الثاني والاخير

سيف الدين الدوري
 
عقب انقلاب 17 تموز 1968  نقلت ُالى قسم الاخبار الداخلية  كمندوب صحفي.ثم دخلت قسم الصحافة بكلية الاداب  - جامعة بغداد – حيث صدر قرار بالسماح للصحفيين  بذلك دون النظر الى معدل الدرجات او العمر. وتخرجت فيه بعد اربع سنوات كنت اعمل خلالها في الوكالة بعد الظهر وصباحا في الكلية.
وفي شهر تشرين الثاني من عام 1969 وصلت الى بيتنا سيارة وكالة الانباء العراقية على غير العادة واخبرني السائق ان المديرالعام المرحوم بهجت شاكر يطلبني. ولما دخلت على المدير العام قال لي نحن بحاجة الى مراسل في الاردن وان السيد النائب صدام حسين بعد ان اخبرته باسمك قال ليستعجل بالسفر وتخصيص مبلغ خمسين الف دينار لفتح المكتب. حاولت اعتذر لكوني طالب في الصف الثاني في قسم الصحافة بكلية الاداب، لكن دون جدوى، وقال لي ان السيد النائب يريدك ان تسافر فوراً.
المهم سافرتُ وكنت عاقد قران قبل ايام، وتم تحويل مبلغ خمسة الاف دينار من بغداد الى مصرف الرافدين بعمان لتغطية مصاريف استئجار البيت كمكتب مع والاثاث اللازم له.. 
بعدها بدأت الاحداث المؤلمة المعارك بين الجيش الاردني والمقاومة الفلسطينية التي اندلعت اول مرة يوم 21/شباط 1970 والرصاص يلعلع في كل مكان وكانت الشقة التي اقيم فيها بالقرب من فندق الاردن وكنتُ اسمع صوت الرصاص على جدران الشقة التي لا تبعد عن مبنى السفارة سوى حوالي 150 او 200 متر كنت اقطعها مشيا بجانب الجدران خشية الرصاص الذي لا نعرف مصدره حيث اختلط الحابل بالنابل كما يقول المثل. ان اخطر ما في الكون الحروب واخطر الحروب.. الحروب الاهلية وما جرى آنذاك من حرب اهلية .وتمكن العقلاء من الجانبين من الوصول الى وقف اطلاق النار  لتجنب المزيد من الخسائر بين الطرفين.
بعدها بشهرين او ثلاثة سافرت الى بغداد باجازة قصيرة ولما عدت الى مقر عملي بالطائرة من بغداد الى عمان مرورا بدمشق في شهر حزيران 1970وكانت قيمة التذكرة آنذاك ذهابا وإياباً عشرين ديناراً . ولما وصلت الطائرة الى مطار دمشق اخبرونا ان ننزل من الطائرة لانها سوف لن تتمكن من الوصول الى عمان بسبب اندلاع المعارك مجدداً بين المقاومة الفلسطينية والجيش الاردني. وفعلا نزلتُ واخذت سيارة اجرة لاواصل السفر عن الطريق البري درعا ثم الرمثة فجرش الى عمان ولكن ما ان وصلت سيارة الاجرة مساءا الى جرش حتى اخبرونا ان الطريق مغلق بسبب المعارك المستمرة بالقرب من مخيم البقعة بين جرش وعمان. وانتظرت حتى الصباح حين اخبرونا ان الطريق فتحت وووصلتُ الى عمان حيث  تدخل العراق لوقف هذه المعارك من خلال المرحوم الفريق حردان التكريتي نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع والاستاذ صلاح عمر العلي عضو القيادة القطرية الذين توصلوا الى وقف اطلاق النار بين الجانبين.
بعدها والحمد لله صدر أمر نقلي الى القاهرة كمراسل للوكالة هناك وباشرت عملي ومعي المرحوم حسين السامرائي الذي نقل الى الوكالة عقب 30 تموز 1968 من دائرة السينما والمسرح .  .
وفي مصر التي نقلت اليها لم تمضي اشهر على عملي هناك حتى اعلنت مصر موافقتها على مشروع روجرز( وزير خارجية الولايات المتحدة)  واعتقد في ايلول 1970 وعارض العراق موافقة مصر وتأزمت العلاقات بين البلدين وشنت السلطات المصرية حملة اعتقالات لعدد كبير من العراقيين المقيمين في مصر وخاصة من الطلبة الذين يدرسون في جامعاتها.
انا من جانبي سفرّت زوجتي الى بغداد ، والتجئت الى السفارة العراقية ومعي مراسل الوكالة المرحوم حسين السامرائي خشية اعتقالنا وتسفيرنا كبقية العراقيين وبقينا حوالي شهر في السفارة لا نستطيع ان نخرج حيث رجال الشرطة والمباحث مطوقين مبنى السفارة ليل نهار.
وبعد حوالي شهر قررنا ان والمرحوم حسين السامرائي الخروج وليكن ما يكون. وخرجنا وتوجهنا الى شقتي في حي المهندسين .وما ان دخلنا الشقة واذا برجال الامن والمباحث بعد دقائق يطرقون الباب ويقتادوننا الى مجمع التحرير الكبير وبقينا فيه طوال الليل .وفي آخر الليل اقتادونا بالسيارة الى جهة لم نعرف الى أين .لكن فوجئنا إننا دخلنا مطار القاهرة الدولي وأدخلونا صالة ( الترانزيت) وبقينا الليل كله دون نوم في الصالة حتى الصباح ،حيث جاء أحد رجال المباحث، وإقتادنا الى طائرة لبنانية ( خطوط الشرق الاوسط) وصعدنا فيها حيث أعاد الينا جوازات السفر التي أخذوها منا عند الاعتقال.     
كنا قد شاهدنا صباح اليوم التالي من صالة ( الترانزيت) الطائرة اللبنانية تهبط بمطار القاهرة وعلى متنها الرئيس اللبناني الجديد ( سليمان فرنجية) يوم 23 ايلول 1970 بعد إنتخابه رئيساً للبنان خلفاً للرئيس السابق ( شارل حلو) واقلعت بنا الطائرة اللبنانية باتجاه بيروت تاركا ورائي في القاهرة الشقة وبما فيها من حاجيات وملابس وتلفزيون وغيرها اذ خرجنا بملابسنا فقط.
 وفي بيروت نزلنا بفندق( دولفن) المجاور لفندق الكارلتون. وبعد أيام التحق بنا الملحق الصحافي  العراقي في القاهرة نديم الياسين منقولا الى السفارة ببيروت، حيث كان السفير العراقي آنذاك المرحوم عبد الفتاح الياسين الذي استقبلنا وصرفوا لنا كل واحد مبلغ خمسين دينار كمصرف جيب  .
وبعد اسبوع اي مساء يوم 28 ايلول 1970 دعانا المحامي اللبناني البعثي طلال شرارة على مأدبة عشاء في احد المطاعم البيروتية. وما أن مضى وقت على جلوسنا حتى أطفئت الانوار في مناطق بيروت وسمعنا إطلاق رصاص كثيف. إستغربنا ذلك وجاء النادل وأخبرنا وفاة الرئيس عبد الناصر، ذلك الخبر الذي وقع علينا كالصاعقة وخرجنا من المطعم إذ نفسياً لانستطيع الاستمرار في الجلسة ولا رغبة في تناول الطعام. وفي اليوم التالي شاهدنا ونحن في الفندق تلفزيون القاهرة الذي كان بثه يصل الى بيروت ينقل مراسم  تشييع جثمان الرئيس عبد الناصر والملايين من البشر الذين غطت الشوارع والجسور بهم.. 
وبعد ان عدنا الى بغداد اصدر المدير العام المرحوم بهجت شاكر أمراً بنقلي مراسلاً لوكالة الأنباء في عاصمة اليمن الديمقراطية عدن. التي سافرت اليها عن طريق الكويت ومن الكويت على الطائرة الكويتية الى عدن .وبعد سنة  من عملي في عدن ،علمتُ أن قسم الصحافة في كلية الآداب قد أغلق، ولن يقبلوا طلاباً جدد في القسم. فطلبت من الوكالة نقلي الى بغداد لأواصل الدراسة في الصف الثاني. وبالفعل رجعت الى بغداد يوم 5/12/1971 وباشرت الدراسة في قسم الصحافة صباحا والعمل في الوكالة بعد الظهر.
واستمر عملي في الوكالة مندوباً ومسؤولاً لشعبة المندوبين وسكرتير تحرير في آن واحد .حتى ايلول 1976 حيث جاءتني زمالة من وكالة الانباء الالمانية  د.ب. أ) للتدريب في مقرها بمدينة  (هامبورك). ومنحني المحاسب اديب راجي مبلغ الايفاد وقطعت تذكرة السفر  ليوم 16 أيلول 1976. وقبل ذلك بأيام إتصل بي وزير الاعلام آنذاك المرحوم طارق عزيز- الذي يعرفني جيدا اذ كان يزورنا في البيت في بداية ستينات القرن الماضي مع عضو القيادة القطرية المرحوم كريم شنتاف اذ كان طارق عزيز يعمل مترجما في مؤسسة الاذاعة والتلفزيون -و قال لي " نريدك ملحقاً صحفياً في بيروت) أخبرته أن لدي زمالة في المانيا وتم الحجز. قال الغي الحجز. قلتُ له أنا بعثت أوراقي الى جامعة القاهرة للدراسة على الماجستير والدكتوراه في الصحافة . قال أجلها في هذا الوقت ولابد ان تسافر. طبعا في بيروت كانت حرب اهلية والمطار مغلق على أساس أسافر الى اليونان منها الى قبرص ومن قبرص بحراً الى بيروت. وصادف أنه قبل سفري الى اليونان، أن جرى فتح مطار بيروت ووصلت الى لبنان والتحقت بعملي مستشارا صحفيا في السفارة العراقية حيث كان الاستاذ نوري الويس سفير العراق في لبنان. ومارست عملي خلفا للزميل الاستاذ محمد مناف الياسين الملحق الصحفي الذي نقل مديرا عاماً لوكالة الأنباء العراقية .
كانت الاوضاع غير مستقرة في بيروت خاصة الحرب الأهلية والقصف المستمر بين الحركة الوطنية اللبنانية  في المنطقة الغربية ذات الأكثرية المسلمة   وبين قوات الكتائب والاحرار في المنطقة الشرقية ذات الاكثرية المسيحية. وكان القتال على الهوية فاذا وجدوا مسيحيا في المنطقة الغربية يقتلوه واذا وجدوا مسلما او فلسطينيا في المنطقة الشرقية يقتلوه .. انها ظاهرة غريبة مع الاسف.
كنت احيانا خوفا من القصف أجلس أو أنام تحت السلم خشية تعرّض الشقة للقصف.
وبقيت في بيروت حوالي أربع سنوات نقلتُ بعدها الى بغداد معاوناً للمدير العام حيث باشرت العمل يوم الاول من نيسان 1980. وأنا جالس في صبيحة او قبل ظهر ذلك اليوم دخل عليّ الزميل محسن خضير( الذي اغتيل عقب الاحتلال) رحمه الله واخبرني بأن الاستاذ طارق عزيز، تعرّض لمحاولة إغتيال خلال دخوله الجامعة المستنصرية ونجا منها بإعجوبة. فوراً عادت بي ذاكرتي الى بيروت حيث الاغتيالات وقلت مع نفسي يبدو ان الاغتيالات والتفجيرات لاحقتني الى بغداد.
وذات يوم كان السفير الاستاذ الويس في بيتنا جالسين دخل علينا سائقه وقال له( عمي لقد أغتيل ( كمال جنبلاط) الزعيم الدرزي وزعيم الحزب الاشتراكي التقدمي. فوراً خرجنا أنا والسفير نوري الويس وتوجهنا الى منطقة المختارة حيث بيت المرحوم جنبلاط، وكنا في حالة قلق وخوف حقيقي خاصة وأن الأخبار إن السيارة التي استخدمها الجناة لقتل جنبلاط تحمل رقماً عراقياً، وبالفعل ونحن في الطريق شاهدنا السيارة سوداء اللون لا تزال واقفة بعد ان تركها الجناة برقمها العراقي للايحاء بأن العراقيين وراء الجريمة. وخشينا في حال حماس وشعور جماهير الدروز وحماسهم  يهجمون علينا ويقتلوننا، لكن الحمد لله مرت بسلام واستقبلنا وليد جنبلاط نجل الشهيد كمال. وشاهدنا والده مسجى في التابوت المكشوف وقرأنا على روحه الفاتحة رحمه الله. وعدنا بسلام..
وبعد فترة قصيرة في عملي معاون مدير عام وكالة الانباء العراقية صدر امر وزاري بتنسيبي الى معاون مدير عام دائرة الاعلام الداخلي حيث المدير العام حربي محمد مريض ويعالج في لندن . وبعد بضعة شهور في الاعلام الداخلي اندلعت الحرب العراقية الايرانية وصدر قرار نقلي الى القيادة القومية واتصلوا بي بطلب من المرحوم طه ياسين رمضان مسؤول مكتبي مصر وسوريا للالتحاق وحضور اجتماع في المكتب السوري في الجادرية ولما وصلت اخبروني ان الاحتماع بمنطقة ام العظام ولما وصلت الى هناك شاهدت المرحوم رمضان جالساً ومعه عدد من الاشخاص بينهم صديقي المرحوم جبار جاسم عضو مكتب مصر. وهم ينتظرونني لحوالي نصف ساعة حسب ما اخبروني بذلك وانا اعتذرت لانه ظروف الحرب مع ايران وفي كل عدة دقائق نسمع صافرة الانذار ولا بد ان توقف جميع المركبات وهذا ما جعلني اتأخر.
المهم تحدث المرحوم رمضان مخاطبا لي انك اعلامي ومثقف ونريدك مسؤولاً لإذاعة صوت سوريا المعارضة للنظام السوري. طبعا لا يمكن الاعتراض فالقرار قد صدر عن مجلس قيادة الثورة وإنتهى الأمر. وباشرت في الاذاعة منذ عام 1980 الى عام 1984. حيث تم اختياري ملحقا صحفيا في عدن وغادرت الى عدن وبعد وصولي اليها سمعت خبر وفاة رئيسة وزراء الهند انديرا غاندي يوم 31 تشرين الاول 1984.
وبعد سنتين من وجودي في عدن وقعت احداث خطيرة حيث الصراع بين أصحاب الحكم والتي أسفرت عن مجزرة 13 كانون الثاني 1986 حين وقع الصراع بين الرئيس علي ناصر محمد وجماعته وبين جماعة علي ناصر عنتر وعلي سالم البيض اسفر عن مصرع عدد من القادة اليمنيين وهروب علي ناصر محمد الى الخارج وقد شمل الصراع والتصفيات الجسدية معظم مناطق العاصمة عدن وضواحيها حيث الرصاص من كل مكان الى درجة ان سيارتي الخاصة وهي في كراج السفارة تعرض زجاجها الخلفي الى الرصاص .
وخلال الحرب الرهيبة وصلت بواخر روسية قامت بإجلاء كل البعثات الدبلوماسية خشية تعرضها لخطر الحرب اذ كنا نشاهد الجثث في الشوارع وتم تسفير العوائل أولا زوجتي والاطفال مع زوجات الدبلوماسيين واطفالهم  الى جيبوتي ونحن وراؤهم ومنها الى بغداد. 
وبعد إن إنتهت الأزمة وسيطر الجناح المعارض للرئيس علي ناصر عدنا مرة أخرى الى عدن حتى بعد عام ،تمّ نقلي الى بغداد ،ورجعنا عن طريق مكة حيث ادينا العمرة وصادف في شهر رمضان والعمرة في رمضان مباركة.
وعدت مرة اخرى سكرتير تحرير حتى عام 1989 صدر أمر نقلي مستشار صحفي ومدير المركز الثقافي في المغرب . وبعد عام فوجئنا بغزو قوات صدام للكويت وكانت الحكومة المغربية اول دولة تستنكر وتحتج على هذا الغزو وكذلك جميع الصحف المغربية، مما تأزمت العلاقات بين العراق والمغرب حيث اخذت عناصر الامن تراقبنا بشدة . . وبعد انتهاء حرب الخليج صدر امر نقلي الى بغداد وقد شاهدت عناصر الامن تراقبني حتى دخولي صالة المسافرين وتعمدت ان اتوجه اليهم وقلت لهم نشكركم فقد اتعبناكم. الحقيقة كانوا مؤدبين.
وصلت الى بغداد في حزيران 1991. واخذت اجازات اعتيادية لمدة ستة اشهر بعد آخر شهر اذ لا مزاج لي بالعمل فقد كانت عملية غزو الكويت عملية غير مدروسة وقرار احمق يتنافى مع فكر حزب البعث الذي يعمل على وحدة الامة العربية وليس غزوها.
بعدها قدمت طلباً للحصول على التقاعد وصدر أمر التقاعد في 2/،1992 بعد ثلاثين عاما اي منذ عام 1962 في وكالة الانباء العراقية ومراسلا وملحقا صحفيا. كما قدمت طلبا للتقاعد من العمل الحزبي وبعد محاولات رفض حصلت على ذلك . وتقدمت الى معهد التاريخ العربي لدراسة الماجستير وبعد ان اكملت السنة الدراسية الاولى بدرجة جيد جدا وعليّ أن أنجز الإطروحة ،قررت السفر الى الاردن لانجاز الاطروحة في الجامعة الاردنية وجاءتني الموافقة على ذلك من عميد المعهد الدكتور المشهداني الذي حملها معه خلال زيارته للاردن . واخترت الدكتور علي المحافظة للاشراف على رسالتي بعنوان (الحراك السياسي في جنوب اليمن ) وقبل الشروع بالمناقشة جاءت موافقة السلطات البريطانية على قبولي لاجئا سياسا اذ كنت قد قدمت طلبا وانا في عمان للجوء السياسي في بريطانيا حيث شقيقي الاكبر هناك. وتركت المناقشة ووصلت لندن والحمد لله وبعد اكثر من عشر سنوات التحقوا بي الاولاد والبنات وأمهم والحمد لله.
 
قيم الموضوع
(1 تصويت)
سيف الدوري

صحفي عراقي

مؤرخ وكاتب

صحيفه الحدث

1اولى.pdf 1 copy

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It