ardanlendeelitkufaruessvtr

الاكتئاب الموسمي حقيقة أم مغالاة

بقلم لمياء المقدم تشرين2/نوفمبر 28, 2018 632

الاكتئاب الموسمي حقيقة أم مغالاة
في 2016 نفت دراسة أميركية أجريت على قرابة 25000 شخص أن يكون هناك مرض يسمى “اكتئاب الشتاء” واعتبرته ظاهرة مرتبطة بالتغيرات المناخية وأسلوب حياة الفرد وضغوطات الحياة العصرية.
الشعور بالوحدة والقلق وعدم النوم بالليل
مع دخول الشتاء والبرد وحلول الظلام تخرج جارتي الهولندية عن طبعها الهادئ المسالم الناعم وتتحول إلى كائن غريب مغال وشكاء.
في أحيان كثيرة تتوقف عن العمل أيضا، جالسة في البيت لأيام طويلة، مهملة شؤون بيتها وطفليها. أجدها مرات في محل السوبر ماركت القريب في حالة سوريالية بأتم معنى الكلمة، حتى لا أكاد أتعرف عليها من الشحوب والفزع الذي يطل من عينيها، ومرات أخرى أسمع صوتها قادما من أول الشارع وهي تتعارك مع زوجها أو تهدده بتركه أو تتهمه بالإهمال والقسوة.
في الأيام العادية من السنة، جارتي هذه أستاذة جامعية بإحدى جامعات أمستردام، وأم لطفلين جميلين، توصلهما يوميا إلى المدرسة في طريقها إلى العمل، وسيدة راقية مهذبة ترد على التحية بهدوء ونعومة وتتواصل مع الجيران وتتطوع في مركز قريب لإيواء اللاجئين السوريين لتدريس اللغة والمساعدة.
جارتي مصابة بما يسمى “اكتئاب الشتاء” وهو مرض عارض يصيب قسما كبيرا من البشر ويزحف عليهم تدريجيا، محولا حياتهم وأيامهم إلى جحيم قاتل.
أعراض هذا الاكتئاب تختلف من شخص إلى آخر. ففي بعض الأحيان يشعر الشخص المصاب به بخمول وكسل وعدم قدرة على إتمام مهامه بالشكل المعتاد، فيتوقف عن زيارة الأصدقاء والخروج إلى المحلات والمقاهي ويكتفي بالجلوس في البيت فترات أطول يشاهد التلفزيون من تحت الغطاء أو ينام في أوقات ومواعيد غير منتظمة. لكن الأعراض تشتد لدى البعض الآخر لتصل إلى مرحلة مرضية متقدمة يشعر معها الشخص بأنه يفقد السيطرة على نفسه وحياته وأمور يومه، يخاف من الليل والظلمة، ويشعر بالقلق والتوتر وعدم التركيز بمجرد اختفاء الشمس، إضافة إلى الشعور بالوحدة والقلق وعدم النوم بالليل، وهو ما يجعل معدلات الانتحار ترتفع في هذا الوقت من العام.
في أوروبا والمناطق الشمالية ينتشر هذا المرض على نطاق واسع ويسبب الكثير من الإزعاج للأشخاص والأسر والمؤسسات وأصحاب العمل والدولة. وقد بينت إحصائية هولندية أن خسائر الاقتصاد من جراء اكتئاب الشتاء تصل إلى مستويات مفاجئة وغير متوقعة بسبب التغيب المتكرر عن العمل وحجم الأدوية والخدمات الطبية المرتبطة به، كما أن 1 بالمئة على الأقل من الهولنديين يعانون من اكتئاب الشتاء.
ظهر أول تصنيف إكلينيكي  لهذا المرض في ثمانينات القرن الماضي لكن الأطباء اختلفوا حوله، فمنهم من يرى أنه نوع ودرجة من درجات الاكتئاب النفسي المتعارف عليه، ومنهم من لا يعترف به إطلاقا ويرى أنه ترف ومغالاة من قبل بعض الأشخاص، كما أن قسما ثالثا من الأطباء يعتقد أنه مرض وراثي خامد تكون عبر الأزمنة داخل الجينات البشرية منذ العصر البدائي عندما كان الإنسان يخرج للصيد في الصيف موفرا بذلك غذاءه وملبسه، بينما لا يجد في الشتاء ما يأكله أو يخزنه بسبب توقف الصيد واختفاء الحيوانات.
مسميات هذا النوع من الاكتئاب متعددة مثل “الاكتئاب الموسمي” نسبة إلى ارتباطه بفصول معينة، إذ يعتقد البعض أنه لا يقتصر على فصل الشتاء وحده، بل قد يصاب به الإنسان في الصيف أو حتى في الربيع. إلا أن التسمية الأشهر هي “الاكتئاب الشتوي” نظرا إلى أن غالبية المصابين به يعانون منه في هذا الفصل تحديدا، ثم يعودون إلى حياتهم الطبيعية في باقي فصول السنة.
في 2016 نفت دراسة أميركية أجريت على قرابة 25000 شخص أن يكون هناك مرض يسمى “اكتئاب الشتاء” واعتبرته ظاهرة مرتبطة بالتغيرات المناخية وأسلوب حياة الفرد وضغوطات الحياة العصرية، وهو ما أعاد الأطباء مجددا إلى الجدل حول هذا المرض الزائر، لكن إذا ما عرفنا أن جدلا مشابها طويلا سبق الاعتراف باكتئاب الحمل، الذي يصيب النساء أثناء فترة الحمل بسبب تغير الهرمونات فإن “اكتئاب الشتاء” لن يلبث أن يصبح حقيقة ماثلة.
كاتبة تونسية

قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الخميس, 29 تشرين2/نوفمبر 2018 05:38