ardanlendeelitkufaruessvtr

لعنة العصر .. الفيس بوك !!

د.تحسين الشيخلي ..
 
أكتب كثيرا عن العصر الرقمي في جميع جوانبه و أحاول ان أنبه الى سلبيات نكرسها لتصبح عادات نتمسك بها و تطغي علينا ..
أحيانًا أشعر أن الفيسبوك ما هو إلا وسيلة للاستهزاء بمشاعرنا وأفكارنا.
لقد جعل هذا الاختراع من العالم كله رغم ضخامته عبارة عن شاشة صغيرة وهذا يحسب له لا عليه، لكنه لم يضمن لنا أن هذا هو العالم الحقيقي فعلًا.
لقد أعجبتنا الفكرة وصدقناها ولم نحاول البحث عن حقيقة الأمور، فلو رأينا أحدهم ينسب مقولة لذاته وما هو بصادق لصدقناه وما تكلفنا عناء البحث عن الحقيقة.
كثيرًا ما نتساءل ما الذي حدث ومن سار بنا إلى هذا الوادي وأين ذهب الناس من حولنا. كثيرًا ما نشعر أننا مثل آلات مبرمجة يبدأ يومها بالروتين ذاته لينتهي إلى ما بدأ عليه، فاليوم يشغله القليل من العمل والكثير من الملل، نقارن أنفسنا بالماضي فنجد أننا تغيرنا كثيرًا بل لم يبق شيء منا نقارنه بأمسنا، وإني لأجد هذا بسبب طاعون جديد غزا حياتنا فجأة ولن يغادرها أبدًا ألا وهو تأثير مواقع التواصل الاجتماعي والتي حلت محل اللقاء والتواصل الملموس الحقيقي.
انشغل الجميع بشاشات هواتفهم وشاشات الكمبيوتر اللعينة فيظل الفرد منا مختبئًا وراءها ليل نهار، صارت الحياة أشبه بقناع كبير نقف خلفه ونتحدث دون صوت بل بحروف تنطقها شاشاتنا عوضًا عنا.
ربما يكون لهذه المواقع الكثير من الفوائد ولكن لم يفلت أحد من سلبية طغت على كل هذه الإيجابيات، وأكاد أشك في عدد المستفيدين منها حق الاستفادة، تلك السلبية هي إخفاؤنا.
بالماضي كنا نحادث بعضنا بعضًا وجهًا لوجه، نلتقي ونتحدث ويفرغ كل منا طاقاته بشتى أحاديثه ومهما كان الغضب ملمًّا بنا كان بإمكاننا أن نلجأ لبعضنا البعض. أما اليوم فيتمثل غضبنا في رموز تعبيرية نرسلها ونتبادلها ليظل الغضب كامنًا بداخلنا فيصير أقصى صراخنا محصورًا في أبعاد ضئيلة وهي أبعاد شاشتنا.
بالماضي كان الحبيب يسهر بالساعات بل بالأيام كي يرى حبيبته محاولًا إخبارها بحبه، لقد كان اهتمامه حقيقيًا مزخرفًا بالعمل والأمل وقد برهن بذلك على قيمة حبيبته لديه، أما اليوم فبضغطة زر واحد قد أفصح لها عن كل ما بداخله وليته فيه صادق أو صنع شيئًا واحدًا يبرهن به على صدق نيته، ويا لسذاجتها فقد صدقت شاشة زائفة وما تصديقها إلا هروب من وحدتها.
قديمًا حين كنا ننزعج من أحد أصدقائنا كنا نحادثه ونخبره عما جال بخاطرنا نحوه ونخرج كل ما بداخلنا، ويمتلك الآخر حق الرد ودفاعه عن نفسه لتبقى الصداقة رابطًا قويًا يجمعنا على أرض واقعنا. أما اليوم فما الصداقة سوى طلب نرسله عبر مواقعنا ونحذفه متى شئنا بكل بساطة لتنتهي علاقة هي من البداية زائفة، لمَ لا وهناك المئات من الصداقات غير الحقيقية.
لم تعد روابطنا قوية ولم يعد من الضروري إثبات نوايانا.
بالماضي كان محيطنا ممتلئًا بأشخاص حقيقيين يهمهم أمرنا فنجتمع ونتبادل الآراء والأفكار، أما اليوم فبكل لحظة نطرح أفكارنا أمام أشخاص هم بالحقيقة لا تعنيهم أفكارنا وللأسف فقد منحتهم حق الرد والتعبير.
لقد أتاحت هذه المواقع للجميع أن يشتهر دون عناء ملموس، فلو سألت أحدهم ما هي قصة كفاحك لقال لك رحلة المليون لايك تبدأ بلايك، وأنت المذهول به وبقصته نسيت أولاء الذين بدأت رحلتهم بضوء الفانوس و اللالة، بل ابحث أين هم وأين نحن وأثق أنك ستجدهم غير مكترثين بتوثيق أحداثهم على الفيسبوك لأنهم حتمًا وثقوها على أرض الواقع وقد تكبدوا العناء حتى وصلوا إلى ما هم عليه.
لقد جعل الفيسبوك من الزيف شيئًا شائعًا وإن كان نابعًا من نفوس ضعيفة مريضة رضيت به في جوفها، فالكثيرون يتداولون أخبارًا لا أساس لها من الصحة وبفضل الفيسبوك انتشر الخبر كالبرق سريعًا في كل مكان بالعالم، وما هي إلا خدعة يريد صاحبها الشهرة عن طريق الاستهتار بعقول قارئيها.
إن أكثر ما يزعجني هو أن غالبية الأحاديث تحولت إلى استهزاء بما كتبه أحدهم لتنقلب الفكرة إلى نكتة يضحك عليها كل من قرأها، وما أدراك بأي وجه كتبها صاحبها فقد قرأت أنت ولم ترَ، فكل منا مختبئ وراء قناع كبير وقد أسدل الستار ونحن فرحون.
قيم الموضوع
(0 أصوات)
د. تحسين الشيخلي

كاتب واكاديمي عراقي