ardanlendeelitkufaruessvtr

الأجسام السياسية والعسكرية تعيد تموضعها على الساحة الليبية

بقلم محمد أبوالفضل كانون1/ديسمبر 09, 2018 512

الأجسام السياسية والعسكرية تعيد تموضعها على الساحة الليبية
بعض القوى الإقليمية تشعر بخطورة التضخم المعنوي الذي ينتاب حفتر، وتخشى أن يؤدي الإفراط في "الإحساس بالعظمة" إلى اصطدامه بعراقيل، لأن خصومه ومن يريدون فرملته يتزايدون، وكل مساحة إيجابية حصل عليها ربما تجد مساحة سلبية تكبحها.
حفتر يزداد ثقة في قوته العسكرية
حملت التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة في ليبيا قدرا كبيرا من التغير في التصورات والتصرفات عما كانت عليه خلال الأشهر الماضية. وبدأ لاعبون أساسيون يضعون أقدامهم في أماكن مختلفة، بعد تيقنهم بأن التحالفات لم تعد ثابتة.
وتعيد كثير من الجهات الخارجية المؤثرة تموضعها وفقا للتطورات المتشابكة والمسارات المتعرجة، لأن الأزمة الليبية مختلفة عن غالبية الصراعات الدائرة في المنطقة، وطرق التعامل معها متحركة، ولا توجد جهة واحدة (تقريبا) تتخندق في مربع واحد طوال الوقت.
تؤكد نتائج الزيارة التي قام بها المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الليبي، إلى إيطاليا، والتقى فيها رئيس الوزراء جوزيبي كونتي، الخميس، أن روما بدأت تعول على دور مستقبلي أكبر لحفتر، وتقلق من زيادة التعاون الأمني الفرنسي معه، بعد نجاحه في تحرير درنة من الإرهابيين، وتلقيه إشارات من باريس مؤخرا لحضّه ودعمه على دخول طرابلس عسكريا.
لقي التوجه الفرنسي تحفظا كبيرا من القاهرة، التي زارها أخيرا المستشار العسكري للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ووجد رفضا لخطة اقتحام طرابلس من سبها، لكن مقترح باريس يبدو أنه جاء على هوى حفتر، الذي يزداد اقتناعا بأنه ليس في حاجة لإعادة توحيد المؤسسة العسكرية، ويعتقد أنها بالفعل موحدة تحت قيادته.
قذفت إيطاليا بكثير من أوراقها مباشرة في ليبيا، وحاولت أن يكون مؤتمر باليرمو، يومي 12 و13 نوفمبر الماضي، نقلة نوعية كبيرة، غير أنها وجدت جملة كبيرة من المعوقات، بحاجة لمزيد من الانفتاح على بعض الأطراف، وفي مقدمتها حفتر.
كانت روما ترى في الجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر جسما عسكريا لا يحظى بشرعية دولية، وبعدما تم التعامل معه كطرف أساسي في غالبية المعادلات المحلية والإقليمية والدولية، عدلت رؤيتها، وتيقنت أن تفوقه في شرق ليبيا منحه شرعية مختلفة، ما فرض على قوى عديدة عدم تجاهله كلاعب محوري على الساحة الليبية، يستطيع الحسم أو التعطيل.
في المقابل، كانت ترى أن الكتائب المسلحة (الميليشيات) لها دور مؤثر في ليبيا ربما يفوق الجيوش النظامية، وفي نظرها بدا فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، رئيس حكومة الوفاق، القناة التي تحظى بشرعية سياسية دولية، ورمت جزءا كبيرا من رهاناتها عليه، وهو ما تأكد في دعم المجتمع الدولي له في مؤتمر باليرمو.
كشفت الحقائق على الأرض أن حفتر له اليد الطولى، والتي يصعب قطعها أو التفريط في تأثيرها، بينما أسهم السراج تتراجع للخلف، وتظهر ملامح قوية على تواضع إمكانياته، وأصبح مهددا بأن يخرج من الحلبة السياسية، بعد توافق مجلس النواب ومجلس الدولة على تشكيل مجلس رئاسي جديد الشهر الماضي، من رئيس ونائبين، ويتم اختيار رئيس حكومة مستقل.
يريد حفتر أن يعزز شرعيته المكتسبة بحكم الأمر الواقع، ويجبر الجهات الفاعلة في الأزمة على أنه القادر على الإمساك بمفاتيح العقد والحل في الأزمة، فقد اكتسب ثقة المصريين والفرنسيين والأميركيين وبدأ يتجه ناحية روسيا، ويسعى إلى إقناع الإيطاليين بأنه الوحيد القادر على ضبط الأوضاع، عسكريا وسياسيا، الأمر الذي تأكد عندما حرصت روما على حضوره إلى باليرمو، ولو من دون مشاركة مباشرة في المؤتمر.
يزداد حفتر ثقة في قوته العسكرية، مقابل ضعف منافسيه، من سياسيين وقادة ميليشيات، ويسعى إلى القبض على مفاصل كثيرة في الأزمة، كي يكون الخيار الوحيد الذي تلجأ إليه أو تخطب وده الكثير من الأطراف الدولية.
في خضم هذه المساعي التكتيكية، يتجاهل حفتر أن هناك قوات عسكرية في الغرب، يمكن تجميعها وإيجاد صيغة للتكاتف بينها بما يوجد جسما موازيا جديدا يضاف إلى الأجسام العسكرية الأخرى المتمثلة في الميليشيات، والتي لم ينته دورها تماما، ولن يحول التلويح بتوسيع سلاح العقوبات الدولية لاستهداف قادتها دون استيعاب بعضها في الترتيبات الأمنية النظامية.
وباتت محددات العلاقة الوثيقة مع قوى إقليمية دعمته لفترة طويلة وثمنت دوره الوطني في الحفاظ على وحدة الدولة الليبية مبهمة، ويشعر بعضهم بخطورة التضخم المعنوي الذي ينتاب حفتر، وتخشى أن يؤدي الإفراط في “الإحساس بالعظمة” إلى اصطدامه بعراقيل تعطل مسيرته، لأن خصومه ومن يريدون فرملته يتزايدون، وكل مساحة إيجابية يتصور أنه حصل عليها ربما تجد مساحة سلبية تكبحها.
يتغافل هذا التوجه عن فكرة أن الآخرين لديهم استعدادات لتغيير تصوراتهم الاستراتيجية لتأمين مصالحهم بالطريقة التي تناسبهم، وبدأ السراج عملية انفتاح منظمة على بعض حلفاء حفتر التقليديين. وسيقوم بزيارة القاهرة، في 15 ديسمبر الجاري، وأبدى ميولا للاحتفاظ بمسافة عن تركيا وقطر، بما يخول له الحصول على مساندة مفقودة من دول أخرى، إما تمنحه دعما للبقاء في المجلس الرئاسي الحالي، وإما الحصول على فرصة ليكون مرشحا وحيدا لرئاسة المجلس الجديد.
    يجيد الإخوان فتح قنوات مع جهات عديدة في آن واحد، فهم يشيدون بدور الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر، ويثمنون دور مصر في توحيد المؤسسة العسكرية، وينفتحون على عقيلة صالح، ويدعمون فايز السراج، وعلاقتهم جيدة مع إيطاليا وفرنسا، وبالطبع وثيقة مع الولايات المتحدة وبريطانيا
عملية إعادة التموضع السياسي لا تشمل السراج وحده، بل يمكن أن تضم جماعة الإخوان، فقد تفاهم خالد المشري رئيس مجلس الدولة، القيادي بجماعة الإخوان في ليبيا، مع عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، الرجل الذي اختار حفتر لقيادة الجيش الوطني، ما يعني أن عقيلة أخذ مسافة كبيرة بعيدا عنه، ربما تزيد ملامحها إذا أصر حفتر على شعوره بالتفوق على الجميع، وأنه مرشح بقوة ليكون الخيار السياسي والعسكري المناسب للعبور بليبيا في هذه المرحلة.
يطمح عقيلة صالح الآن إلى الاستمرار في منصبه لفترة أطول، ويأمل تخريب المحاولات الرامية إلى عقد المؤتمر الجامع الشهر المقبل، الذي يريد غسان سلامة المبعوث الأممي إلى ليبيا أن يكون نقطة تحول في مسار الأزمة والوصول إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، للتخلص من جميع الأجسام السياسية والعسكرية الحالية، بما يعني انتهاء دور حفتر وعقيلة والمشري، وكذلك السراج الذي أصبح سلامة مستعدا للتضحية به، إذا كان هذا الطريق هو الوحيد لضمان نجاح خطته.
قد تصل عملية إعادة التموضع الجديد إلى حد التخلص من بعض المحرمات السابقة، أي أن الدول التي كانت لديها ممانعات سابقة في التعامل مع إخوان ليبيا مثلا، من الممكن أن تعيد النظر في هذه المسألة، وتقبل التعامل معهم، وبدأت قيادات في الجماعة ترسل إشارات وتجد أصداء جيدة مع السيولة الشديدة التي تتسم بها علاقات القوى الفاعلة في الأزمة.
يجيد الإخوان فتح قنوات مع جهات عديدة في آن واحد، فهم يشيدون بدور الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر، ويثمنون دور مصر في توحيد المؤسسة العسكرية، وينفتحون على عقيلة صالح، ويدعمون فايز السراج، وعلاقتهم جيدة مع إيطاليا وفرنسا، وبالطبع وثيقة مع الولايات المتحدة وبريطانيا.
وفقا لسياسة الخطوط المتوازية التي تستخدمها غالبية الأطراف المعنية بالأزمة الليبية، من الطبيعي أن تكون هناك مرونة كبيرة في التحالفات، ويمكن أن تتسع لتشمل خصوما كانوا حتى وقت قريب في زمرة الأعداء والمتآمرين.
وليس مستبعدا أن ترفع مصر “الفيتو” الذي وضعته على التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، الذين يدركون الدلالات التي ينطوي عليها انفتاحها على كل من حركة حماس الفلسطينية والنظام السوداني، وكلاهما يتبنى خطابا إسلاميا قريبا من توجهات الإخوان.
يضاعف إخوان ليبيا من استثمار هذه الإشارة، وغير مستبعد أن تجد القاهرة مخرجا لإعادة التموضع في هذه النقطة، بما يجنبها ارتدادات داخلية تتعلق بالموقف من الإخوان في مصر، ومرور صيغة التعامل مع حماس والخرطوم دون تنازلات مع الجماعة في مصر حتى الآن، يشجع على تكرار التجربة في ليبيا، كي لا تجد القاهرة نفسها أمام خيارات محدودة، وبهذه الورقة يمكن أن تتجنب بعض الضغوط التي تمارس عليها لتنحيتها عن الملف الليبي تماما.
لا تزال الفصول النهائية للأزمة الليبية لم تظهر بعد، وكل التغيرات والتحولات التي تمر أمام أعين الجميع لم تستقر على حال بعد، وستظل عملية التباديل والتوافيق بين الأجسام المختلفة معلقة لفترة، لأن الطروحات التي يتم تداولها على الملأ محكومة بتوازنات قوى مؤثرة، لا تستطيع توجيه الدفة ناحية جهة محددة من دون منغصات من قوى مقابلة.
كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)