ardanlendeelitkufaruessvtr

الأدب المندثر في معمعة الواقع

بقلم هيثم حسين كانون1/ديسمبر 24, 2018 496

الأدب المندثر في معمعة الواقع
هل يمكن أن يتحفنا أدب التراسل في عصر التكنولوجيا والسرعة برسائل تحاكي إبداع التشيكي فرانز كافكا (1882 – 1924) في رسائله إلى ميلينا.
رسائل قصيرة مكثّفة
هل اندثر فنّ التراسل بين الأدباء في العصر الحديث؟ هل نسفت وسائل التواصل الاجتماعي هذا الفنّ الأصيل ووضعته في ركن مهمل خارج دائرة الأدب؟ هل يمكن أن نصف أدب الرسائل في عالمنا المعاصر بأنّه الأدب المندثر في معمعة الواقع؟
شكّلت رسائل متبادلة بين بعض الأدباء، سواء كانوا أندادا أو أصدقاء، عشّاقا أو متخالفين في الرؤى والطروحات، ميدانا ثرّا للمقاربة والتحليل والتأويل، وكشفت عن جوانب من شخصيات أصحابها، تختلف عن تلك التي حرصوا على إظهارها في كتاباتها التي كانت مضبوطة ومدروسة ومراجَعة، وتضيء على نقاط معيّنة ما كان يمكن للدارسين والقرّاء الاطّلاع عليها أو معرفتها لولا ما اشتملت عليه الرسائل من مفاتيح ومكاشفات.
لعلّ السمة الرئيسة لفنّ الرسائل هو البوح أو الاعتراف، وذلكم من موجبات الخصوصية والحميمية، وحين يتم نشر ما كان يفترض بأنّه خاصّ وموجّه لشخص بعينه، يكون الأمر كمن تكشّف على الآخرين، أو ظهر عاريا أمامهم من مشاعره وأحاسيسه وتمّ تسليط الأضواء على المناطق التي جاهد لإبقائها طيّ العتمة تحت ستار الخصوصية.
هل يحلم القارئ اليوم أن يصادف رسائل كتلك التي خطّها كبار الأدباء إلى مقرّبيهم أو أحبّائهم، ولا سيّما أن التقدّم التكنولوجي ألغى المسافات وأزاح أعباء الانتظار عن كواهل مرسلي الرسائل ومنتظريها، وبات المرسل يعلم وصول رسالته إلى الآخر، ويعلم لحظة فتحه للرسالة الإلكترونية، وما إن كان قد قرأها أو لا.
هل يمكن أن يتحفنا أدب التراسل في عصر التكنولوجيا والسرعة برسائل تحاكي إبداع التشيكي فرانز كافكا (1882 – 1924) في رسائله إلى ميلينا، تلك الرسائل التي كانت بمثابة نافذة يشرعها كافكا لمشاعره المخبوءة وما يعترك في أعماقه من صراعات لا تهدأ، وهو الذي عرف بأنّه رائد الكتابة الكابوسية أو الغرائبية، كان يفضل العزلة، ويعيش معاناته وحيدا، بمعزل عن محيطه الأسريّ والاجتماعيّ، وجد في مراسلاته لميلينا مخرجا من تعاسته.
ويلاحظ القارئ كذلك تغير حالته النفسية بين الرسالة والأخرى، مع طغيان جانب السوداوية جرّاء البعد والمواقف التي كان يجد نفسه فيها، كان يحيا في الرسائل حياة مختلفة عن واقعه، وكانت ميلينا بالنسبة إليه القلب الحنون، مركز العالم الذي يبقيه متوازنا.
لا يخفى أنّ تغيّر الأزمنة والظروف فرض على الناس سبلا وأنماطا جديدة للتواصل في ما بينهم، وحلّت رسائل قصيرة مكثّفة، أو أشكال معبّرة محلّ تلك الصفحات التي كان يبثّها الأدباء مكنونات نفوسهم، وكانوا يفكّرون مع الطرف الآخر بصوت عالٍ، يصرّحون بما يثري تجاربهم الأدبية والإنسانية ويشكّل إضافة جمالية إلى نتاجاتهم لاحقا حين يتمّ جمعها ونشرها من قبل لاحقيهم.
كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)