ardanlendeelitkufaruessvtr

السعادة والحياة والتضحية

بقلم لمياء المقدم كانون1/ديسمبر 27, 2018 434

السعادة والحياة والتضحية
السعادة في التململ، وعدم تقبل ما لا نريد، وليس في القناعة والرضا به. تأتي القناعة من المحاولة وليس من الاستكانة والخضوع والرضا.
ما يمنحك السعادة قد يكون مصدر تعاسة لغيرك
السعادة ليست حظا، كما نعتقد، يأتي للبعض ويتخلف عن آخرين، وليست في القناعة والرضا، كما أقنعونا ورددوا على مسامعنا طويلا، حتى ظننا أنها كذلك. السعادة في رأيي، هي ألّا تفعل ما لا تحبه نفسك، أيا كان، دون حسابات كثيرة، دون خوف من المجهول والغامض والآتي. لا شيء آت سوى حياتك أنت، بكل تناقضاتها، وتقلباتها، ولحظاتها الحلوة والمرة.
الخوف من الحياة هو ما يجعلنا تعساء. إذا عجزت عن البقاء في عمل غادره، إذا توقفت عن حب أحدهم، اتركه، إذا كرهت دراسة استبدلها بأخرى، إذا مللت من مكان، ابحث عن بديل له. وقد لا تستطيع ترك عملك، أو الشخص الذي لم تعد تحبه أو دراستك إلى دراسة أخرى لسبب أو لآخر. ولكن السعي، الجهد والطاقة التي تبذلها من أجل ذلك هي الطريق إلى السعادة.
السعادة في التململ، وعدم تقبل ما لا نريد، وليس في القناعة والرضا به. تأتي القناعة من المحاولة وليس من الاستكانة والخضوع والرضا. وتأتي السعادة من المحاولة وليس من بلوغ الهدف. مؤكد أن لا أحد سيجد العمل الذي يناسبه تماما والشخص الذي يحبه إلى الأبد، والحياة المرفهة، والمكان المريح مجتمعة، ولكن البحث الدائم، خوض المجهول وعدم الخوف من الحياة، هو السعادة.
ومرة سألني أحدهم “ألا يعتبر هذا التخلي المستمر والهرب الدائم من مكان إلى مكان ومن حياة إلى حياة، هروبا من أنفسنا؟”. وقلت “نحن نهرب من أنفسنا عندما نملها ونعافها، وعندما تتحول إلى قبور مظلمة”. وقد يحدث أن نمل أنفسنا وننفر منها لأنها خاضعة أكثر مما يجب، أو مستسلمة، أو سلبية أو محبطة أو ضعيفة أو لأي سبب آخر، ولكن الهرب ليس الحل. علينا أن ندرك دائما أن ما نهرب منه يوجد داخلنا ولا نجاة إلا بمواجهته.
وماذا عن التضحية والصبر؟ الصبر على شخص لم تعد تحبه لأنك أنجبت منه أطفالا لا ترغب في تضييعهم، أو على مكان لا تطيقه لأن به من يحتاجك، أو على عمل متعب لأنك في حاجة إلى المال. ألا يمنحان السعادة؟
التضحية والصبر لا يمنحان السعادة، هما بعبارة أخرى إسكات لنداء الداخل وتعايش مع وضع غير مريح لأسباب قاهرة. تأجيل لوضع، لخطوة، لرحيل، لقرار ليس أكثر. في المقابل يمنحك الصبر والتضحية شيئا آخر مهمّا، وهو القدرة على ترويض النفس والتحكم برغباتها وشهواتها ومطامحها وشعورا عاليا بالالتزام والمسؤولية، وهي صفات مهمة بالتأكيد، لكنها لا ترقى إلى مستوى السعادة.
ثم إن السعادة أمر شخصي للغاية، ما يمنحك السعادة قد يكون مصدر تعاسة لغيرك. علينا أن نبحث عن سعادتنا الشخصية التي تشبهنا ولا تشبه أحدا سوانا، وما علينا إلا الاستماع لصوت الداخل، ذلك الصوت الضعيف الذي يخاطبنا فجأة ومن دون مقدمات، بهمس أول الأمر، ثم يعلو شيئا فشيئا ليطغى على كل ضجيج أو فوضى سواه. هو ليس صوت النفس “الأمارة بالسوء” بل نداء الحياة.
تنادينا الحياة دائما خارج قبور أنفسنا، وما علينا إلا أن نضع الخطوة الأولى، حتى نجدها في انتظارنا. وقد تتعبنا الحياة، ترمينا في متاهات ومطبات، وتعود لتأخذنا مجددا، تتخلى عنا، كأننا نفايات زائدة، ثم تجمعنا وتعيدنا إلى أنفسنا. تدوس على أقدامنا ورؤوسنا وقلوبنا، لكنها لا تنسى أن تمسح على رؤوسنا وتربت على أكتافنا في مرات أخرى. وساعتها فقط نستطيع أن نقول كما قال الشاعر “أشهد أنني قد عشت”.
كاتبة تونسية

قيم الموضوع
(0 أصوات)