ardanlendeelitkufaruessvtr

اقفز في الفراغ

بقلم ميموزا العراوي كانون2/يناير 03, 2019 625

اقفز في الفراغ
يجب ألا يتجاهل الفنان، أنه فنان حتى عندما لا ينتج عملا فنيا، هو كذلك في كل ما يعيشه، ريثما تنضج على هواها وإيقاعها الزمني الخاص وفي خفاء نفسه التجارب المعيشية التي خاضها مع ذاته ومع العالم.
القدرة على استنباط الفرح من اللاشيء
"اقفز في الفراغ"، قد يُفهم من العنوان أنه دعوة إلى التخلي أو الهروب إلى الأمام، لكن ليس ذلك المقصود به، بل على العكس تماما. إنه دعوة إلى تجدد لن يحدث إلاّ إذا رُحب بالفراغ كفردوس برزخي مأهول باحتمالات متنوعة ترتقي شفافة على سطح الوعي وتومض أمام ناظر الفرد لتنجيه لاحقا من فك السأم/ الوحش الذي يتفنن بالتهام ضحيته وليس بالكامل، ولكن فقط ليرديه إلى مجرد كائن بدائي يعيش ليأكل ويشرب ويتناسل.
انتهت السنة، وما من أحد، حتى وإن كان لا يعترف بالتواريخ التي تعلن بدايات أو نهايات سنوات أو مراحل جديدة من الحياة، لا يقف ليلاحظ “الفراغ” المجهول المعالم الذي أمامه والذي تركه خلفه مُطعما بشتى الإنجازات الهشة التي عكف على تحقيقها والتي باتت في التفاتة واحدة إليها من “محظيات” الماضي ومن ضمن صور مملكته.
ما من أحد لا يشعر بهذه النفحة من الحزن التي تلي نهاية سنة وتسبق بداية سنة جديدة، يقف لبرهة متأملا جريان الزمن كمحدلة مُبرمجة ديجيتاليا لتسحق كل ما في طريقها، فلا ينجو منها إلاّ بضعة آمال تحققت أو شارفت على التحقق قبل أن يملّ صاحبها من السعي إليها لكثرة معاندتها له، فتخلى عنها وتخلت عنه.
ولعل من أكثر الناس إحساسا بهذه المرحلة المعجونة بالأسى والأمل على حد السواء، هو الفنان.. فأمام كل سنة جديدة، يقف أمام صفحة بيضاء فارغة مشحونة بطاقة مجهولة المعالم، يناجيها بحرقة، يعاتبها بشدة، أو يتحداها بقسوة، وفي الحالات الثلاث يطرز القلق بإبره الحادة حفاف هذا اللقاء بين الجبروتين.
بعض الفنانين تراودهم أفكار سلبية من قبيل أن الفن الذي أنتجوه حتى اللحظة قد دخل إلى مرحلة من المراوحة أو التكرار السقيم، وبعضهم يتساءل حول جدوى الفن في عالم نسي كيف يتمهل للحظات ليتمعن في الواقع، ليس فقط كتجربة جمالية أو حسية ما، بل كمجموعة أفكار ومشاعر يستطيع أن يشبكها ويغذي بها مشاريعه مهما ابتعدت عن مجال الفن المباشر.
وقد أكون شخصيا في هذا السياق مثالا للعديد من الفنانين الذين لم يتفرغوا للفن، ولكن مارسوه بقناعة وشغف في أوقات مسروقة من انشغالاتهم الأخرى المُرهقة والمملة في معظمها.
هذا الفراغ الذي أجد نفسي أمامه اليوم، بُعيد بداية سنة جديدة، يدعوني إلى التساؤل: ماذا بعد؟ وكأن الإجابة يجب أن تحضر فورا أو أن عملية نهب الوقت المسروق بإصرار محموم يجب أن تستمر بنفس الوتيرة وإن بُعيد الانتهاء من مشروع فني (إطلاق رواية مصورة) أخذ مني جهدا ووقتا طويلا، وتساءلت مرارا حول جدوى مشاركته مع الآخرين بهذا الزمن الذي نكابده عربيا.
من معرفتي بعدد كبير من الفنانين وبما أعانيه بشكل خاص أصل إلى استنتاج جلي: يجب أن نهدأ قليلا.. أن نسمح للوقت بأن يسيل بهدوء وأن يحل الفراغ ضيفا غير ثقيل يريد بنا خيرا.
نحتاج أن نفتح قلوبنا على تجارب حياتية وآفاق جديدة هي في قرارتها محور كل إبداع فني. نعم، ليس العيش بالنسبة للفنان هو ما يتشاركه مع الجميع، بل ما يميزه عنهم. وإن كان ثمن هذا التميز قلقا أكبر ورؤيا أعمق لدرامية الحياة، ولكن حلاوتها أيضا تبعث في الذات عميق الفرح ومتعة الانتشاء بتفاصيل تعبر أمام غيره عبور الكرام.
ولعل أجمل ما يعيشه الفنان وقد لا يعرفه الكثيرون غيره هو القدرة على استنباط الفرح من اللاشيء، ومضاعفة الحيوات من ضمن حياة واحدة هي فقط تلك التي يراها فيه الآخرون.
لأجل ذلك يجب ألا يتجاهل الفنان، أنه فنان حتى عندما لا ينتج عملا فنيا، هو كذلك في كل ما يعيشه، ريثما تنضج على هواها وإيقاعها الزمني الخاص وفي خفاء نفسه التجارب المعيشية التي خاضها مع ذاته ومع العالم.
لم نهبط إلى هذه الحياة لنصارع الزمن، إنما لنحب.
ناقدة لبنانية

قيم الموضوع
(0 أصوات)