ardanlendeelitkufaruessvtr

الحكومة نفسها تنادي بالحقوق ومحاربة الفاسدين فمن يسرق الشعب أذن

بقلم عامر الرسام حزيران/يونيو 27, 2016 600

 

في نظرة تاريخية خاطفة نجد أن المصادر تشير إلى أن السومريين في العراق هم أول من مارس التظاهر السلمي كسلوك ثقافي نادر، قبل منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، حين لجأ شعب الوركاء باحتجاج جمعي نتيجة ما كان يعانيه من ظلم حاكمه (كلكامش)، مطالبا الآلهة بالخلاص منه. وقد استجابت الآلهة لمطلب الشعب بأن أوجدت القوة المعادلة التي تمثلت بمخلوقها (إنكيدو) ليحد من ظلمه. وقد أشار إلى ذلك الدكتور فوزي رشيد في كتابه “القوانين في العراق القديم”، حيث يقول: (إن أقدم مطالبة تذكرها النصوص المسمارية هي تلك التي أشارت إليها ملحمة كلكامش)، في معرض تناولها لحالة (الوركاء) أثناء حكم (كلكامش). 

 

وفي العصر الحديث انتشرت عدة طرق للتعبير عن رفض الشعوب لتسلط الحكام وطغيانهم أو مطالبتهم بمطالب العيش الكريم أو اعتراضها على قرارات معينة، وربما أحداث الربيع العربي تعتبر أشهر مظاهرات في العصر الحديث لأنها أدت إلى الإطاحة بعدد من الأنظمة العربية التي مرَّ على حكمها عقود.

 

مظاهرات تعم البلاد:

 

منذ الاحتلال الأمريكي للعراق انتشرت ثقافة التظاهرات بشكل أكبر من السابق، فقد شهد العراق عدة مظاهرات في مناسبات مختلفة، مطالبة بالحقوق العامة والحياة الكريمة على مدار الأعوام الماضية. وقد شهد هذا الأسبوع عدة مظاهرات انطلقت شرارتها من ساحة التحرير في بغداد والتي تعتبر رمزا للحرية وتضحية الشهداء بدمائهم, ومقاومة الاستعمار الأجنبي، صممّها الفنان العراقي الراحل جواد سليم ونصبت عام1962.

 

المظاهرات شهدت حضورًا قويا للشباب العراقي البغدادي، وبعدها انطلقت مظاهرات في البصرة والنجف وبابل والمثنى والناصرية وكربلاء واستمرت أيامًا احتجاجًا على تردي الأوضاع الخدمية وعلى رأسها الكهرباء التي تشهد تدهورًا منذ عدة سنين، رغم صرف ما يقارب 50 مليار دولار لمعالجتها ولكن دون جدوى، خصوصًا أن العراق يعتبر من البلاد التي تشهد ارتفاعًا كبيرًا في درجات الحرارة صيفًا.

 

شعارات تعبر عن واقع مأساوي:

 

فقد رفع المتظاهرون عدة شعارات منددة بالفساد الإداري والمالي إذ ما زال العراق في مراتب الدول الأولى الأكثر فسادًا، وكذلك تردي الواقع الخدمي وغيره, وقد رفع عدد من الناشطين شعارات منددة بالحكومة وتقصيرها في أداء الخدمات للمواطنين منها:

 

كيف نشعر بالأمان الداعشي بالبرلمان؟ وكذلك باللهجة العراقية العامية

 

“شلون ننام الليلة عدنه طلابة وي المسؤول”، كيف ننام الليلة؟ لدينا خصام مع المسؤول.

 

وحمل بعضهم لافتات مكتوب عليها: “إلى لصوص البرلمان والحكومة الفاسدين إلى عمائم الفساد هذه التظاهرة إنذار أولي”. ورفع أحد المتظاهرين شعار “اصحى يا شعب سرقوك نوابك”، وكذلك رفعوا شعار “لكل من لم يذق خبزنا المصنوع من قمح وتراب”.

 

عودوا أيها الفاشلون.

 

أما اكتفيتم من دمائنا.

 

من نهب ثرواتنا.

 

من تضييع مستقبل أجيالنا وتمزيق بلادنا.

 

وتفريق مجتمعنا.

 

عودي أيتها القذارات.

 

لم تعد عمائمكم النتة ولا جباهكم المقززة قادرة على خداعنا بعد. وهذه شعارات ومطالب تعبر عن تردي الأوضاع الخدمية وانتشار الفساد في مؤسسات الدولة، وأن المواطن لم يعد لديه ثقة بالحكومة ووعودها.

 

وكذلك سادت حالة من الاستهزاء ورفع شعارات ساخرة من وزير الكهرباء العراقي السيد/ قاسم الفهدواي، الذي قال في أحد اللقاءات التلفزيونية أن 12% من مواطني بغداد لم يطفئوا “السخانات” في الصيف، وهو ما ولّد حالة من السخرية في مواقع التواصل الاجتماعي وكذلك الغضب لدى المواطنين مما اعتبره البعض لعبًا بعقول الناس, فلا يعقل في الحر الشديد أن يُترك “السخان” يعمل, وهو ما دعا عدد من المتظاهرين إلى حمل “سخانات” قديمة في المظاهرات تعبيرًا عن رفضهم لتصريح الوزير.

 

ردود أفعال السياسين تتناغم مع المظاهرات:

 

من الغريب في هذه المظاهرات، أن ثمة سباقًا سياسيًا ونيابيًا وحكوميا نحو الإعلان عن تأييد المتظاهرين ومطالبهم، وحتى من كتل سياسية كانت فيما سبق تشكك أو تتهم المتظاهرين بأنهم مغرر بهم، أو أنهم واجهات لجهات سياسية تحاول أن تسقط خصومها عبر التظاهر، فقد أكد رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي -في بيان- على حق المواطنين في التعبير عن آرائهم ودعوة جميع المسؤولين للاستماع إلى مطالبهم، كما دعا جميع الوزراء والمسؤولين إلى النزول إلى الميدان للاطلاع على مشاكل المواطنين وإيجاد الحلول السريعة لها.

 

وهذه تصريحات “لا تسمن ولا تغني من جوع”، بل اعتبرها بعض المتظاهرين حقنة مخدرة لتهدئة الشارع المنتفض، وهذا حال أغلب السياسين العراقيين.

 

كما صدرت بيانات وتصريحات لمسؤولين فاعلين في الدولة في مقدمتهم رئيس مجلس النواب سليم الجبوري، ونائب رئيس الجمهورية أسامة النجيفي، والسيد مقتدى الصدر، وكتلة المواطن، ومحافظ بغداد علي التميمي، وعدد من النواب والمسؤولين العراقيين المشاركين في الحكومة والبرلمان، بل تمنى بعضهم أنه لو شارك المتظاهرين وكان معهم! كما صّرح وزير الكهرباء لـ ” قناة السومرية” أنه مع المتظاهرين ويدعو لتحقيق مطالبهم العادلة، وتوفير الكهرباء ومحاسبة المقصرين وكأنهم لم يتظاهروا عليه! وهذا تناغم عجيب لم تعهده الساحة العراقية من قبل فغالبًا ما كانت تُتَهم المظاهرات أنها مدعومة من البعث أو داعش لتبرير قمعها والتعامل معها.

 

وهذا التعامل الحكومي ولّد الكثير من الأسئلة لدى الشباب العراقي؛ فإذا كانت كل الحكومة تنادي بالحقوق ومحاربة الفاسدين ويصرّحون ليل نهار في الفضائيات والإعلام عن محاربة الفساد الإداري والمالي فمن يسرق الشعب إذن؟ ونحن ضد من نتظاهر؟ فالحكومة اليوم تسوق نفسها أنها جزء من الحل –بل الحل كله– فأين المشكلة إذن؟

قيم الموضوع
(0 أصوات)