ardanlendeelitkufaruessvtr

سِجن الحُرية

بقلم حسين مهدي كانون2/يناير 25, 2019 904

حسين مهدي

انتفاضة ما تُدعى بـ "الحرية" في مجتمعاتنا العربية هي فكرة غير لائقة بكونها مطلب حق، ولا وعياً بقيمتها البتة، ومن المقدمات التي قد يسوغ بها المقال "أن إشكالية الحرية هي من الأمور المستعصية على العقل الجمعي قبل كونها مِنها على أرض الواقع"، فبمقتضي هذا المبدأ أضحينا ندافع عن الحرية ونطالب بها كمسمى وليس كمضمون ومحتوى ومادة، وعلى تلك الوتيرة بسعينا خلف لفظ الحرية يتعسر علينا الوصول إلى محتواها ومادتها لأنه –لا يزال-الوعي بالحرية أمراً عارضا على العقل تعليله وإدراكه، فأصبح من المحال على وعي البعض إدراك مفهوم الحرية كمفهوم نسبي خالص واستشفاف حدوده والوقوف على وسائله. فالنتيجة (وهي الحرية) لا يُعقل أن نُدركها بما يدل (وهو المسمى) بل ندركها بما دلت عليه (وهو النموذج والمعيار للحرية كما يجب ان تكون) أما التحذلق بالمسميات والتضليل خلف الشعارات بتأويلات الحرية المطلقة بلا تحرز ولا أناة فهو درب من دروب العبث.

لنترك الوعاظ جانباً، لنتركه للواعظين، وجب ان نعي قبل كلٍ ما يسترعي الاهتمام من الأفكار "أن حرية الانسان وقت مغادرته للمملكة الحيوانية حتى فناءه لا تمارس إلا مُقيدة" حيث الانسان –في اللاشعور-مُقيد حتماً بخمسٍ لا سادس لهم بمراعاة الترتيب:

1. الذات الإنسانية (الأنا)

2. المجتمع المُحيط (التقاليد)

3. سُلطة الدولة (قوانين)

4. العقيدة المُتبعة (حدود)

5. مؤثرات خارجية (تمرد)

 

الذات: يُعنى بها الصراع الأبدي لمتناقضات الفكر الإنساني أو ما تُنتجه من أيدولوجية شخصية وهي في المقام الأول من التقييد لأنها تُشكل جُل الإطار الفكري للفرد.

المُجتمع: مهما كان العقل الفردي مُتحرراً بالمفهوم المعاصر فهو خاضع بالضرورة لمقاييس المجتمع المحيط به التي لا محيص عنها وخلاف هذا –أعتقد-أنه محض تظاهر بالتحرر. نحن نعلم أن المجتمعات ناتج تكتل العائلات التي نتجت من تجمع الأفراد، وللمجتمعات تقاليد وأعراف غالبيتنا نخضع لها طوعاً أو كرها (خارج السلطة القانونية)، قد لا يمنع الدين أن تتوقف بسيارتك في وسط الحي بطريقة ما ولا السلطة لها موقف من هذا الفعل ولكن انعكاس تقاليد مجتمعك على ذاتك قد حظرت من مثل هذا التصرف حيث أنه في –بعض-المجتمعات تصرف مذموم و إن ضربت بهذا العرف عرض الحائط –ولك الحرية في هذا-فلتتحمل ناتج فعلك الذي قد يصل إلى أن تكون منبوذا –لا ظاهرياً- بهذه التصرفات وتوتر علاقتك بمجتمعك وأغلبنا لا يقرب هذه التصرفات ويتجنبها في "اللاشعور" (يمكنك تسميته بالعقل الباطن ولكن لدي تحفظ على هذا اللفظ )، إذاً فأعراف المجتمع طالما هي صالحة ولن تضرك فلا تضر نفسك بمهاجمتها

ملحوظة: إشكالية التراث الفكري المعرفي للمجتمعات البحث فيها يتطلب مزيدا من الدقة لنتجنب كثرة نوائبه الناتجة عن تحول الأفكار التراثية إلى قيود فكرية يصل بها الحد عند المثقفين للإهلاس، وتلك السلطة الخفية قد نجم عنها عُقد نفسية عند الكثير ممن سلم بصحتها، فبدورها تحول بينه وبين التفكير الموضوعي السليم، والتخلص من تلك السلطة قول قلما الجدل فيه

الدولة: شتان بين أعراف المجتمعات والدول، فأعراف الدول هي قوانين صارمة لا تحتمل وجهات نظر ولا تبريرات سقيمة، فلا تقطع إشارة المرور بحجة حريتك كمواطن تقود سيارتك، ما يميز الدولة عن غيرها أنها تمتلك عنصر الإكراه، فحريتك مقيدة رغماً عنك بالدولة التي تقيم فيها وطالما وافقت على الإقامة بها فقد سلمت بقوانينها التي غالبا ما تكون في محيط تنظيم الحياة المدنية وسواءً رضيت بالتشريع المدني أم لم ترض به يتم تطبيق العقوبة عليك يا صاحب الحرية المطلقة. وكل قولنا خارج حدود الاستبداد والدكتاتورية.

العقيدة: إن خالف المواطن مادة فكرة فهذا نفاق، وإن خالف مجتمعه فهذا عيب، وإن خالف الدستور فهذه جريمة... ولكن إن خالف العقيدة فهذا حرام، حيث إن تعدت الحرية حدود الدين فهي أبعد ما تكون عن الحرية كدال أو مدلول، الاختلاف بين التشريعات المدنية للسلطة والدينية للخالق أن الدين لا يعرف الاكراه البتة، فما يحتويه من أوامر ونواه لا يجوز تطبيقها بالإكراه، وإنما التزامنا بها التزام أكثره فطري وجداني، فكل ما ينتجه الدين من حلال يكون مقيدا كما وضحنا في العبارات آنفة الذكر، أما الحرام فلا جدال في خطيئة، ويتم تأويله كمُطلق غير نسبي.

المؤثرات الأخرى: قد بينا مسبقا بأن كُلا مِن الذْات، المجتمع، الدولة والعقيدة لهم جُل الحق –وإن كان لا شعوريا تأثيره-في تقييد شيء يسير من حريتك، علي نفس الغرار تتجلى في الأخير مؤثرات ليس لها حق التأثير وسردناها ليزخر الحديث بكامل المُقيدات ويُحرز من الثغرات، فتظهر تلك المؤثرات عندما يكون خلاف ما يجب أن يكون عليه، فإن استُهلك الدين في غير موضعه بخدمة قطيع الكائنات الضالة أو لإكراه الناس فهذا ليس من أركان تقييد الحُرية في شيء، وكذلك خطيئة قد تضرب بكل معاني الإنسانية عرض الحائط...

وفحوى القول الذي نتج لنا من القيم في هذا الطرح أن الحرية بالضرورة لا يتم ممارستها الا في حدود المُقيد المسموح من الدِول والأعراف وغيرهما، ولم نُخضع الحرية لأي من قوي الاستعباد الا ما ظهر منها على المستوي اللاشعوري للإنسان بتحمله لتبعيتها. كذلك بينا أن ناصية التقييد هي عقول الناس وتلك إشكالية لن يرى حلها النور قبل أمد بعيد.

قيم الموضوع
(3 أصوات)